RSS
2026-09-08 16:01:56

ابحث في الموقع

وصاية مصرف الطيف: هل تضيع ودائع الناس بعد تدخل البنك المركزي؟

وصاية مصرف الطيف: هل تضيع ودائع الناس بعد تدخل البنك المركزي؟
بقلم: صادق الازرقي

قرار البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على مصرف "الطيف" الإسلامي للاستثمار والتمويل وتعيين وصي لإدارته لمدة 18 شهرا لتواجد "مخالفات جسيمة" أثرت على مركزه المالي واموال المودعين، بحسب كتاب للبنك جرى اعمامه، أدى الى مخاوف لاسيما من قبل زبائن المصرف على أموالهم المودعة.

وعلى الفور حدثت تجمعات أمام فروع للمصرف طالب المتجمهرون فيها بودائعهم.. وأدت حالة الذعر الفجائي إلى تجمهر عدد من المودعين أمام الفروع (مثل فرع الكرادة) وحتى بعض المحافظات للمطالبة بأموالهم وودائعهم خشية ضياعها.

فما هي حقيقة الأزمة وهل ثمت خوف من فقدان ودائع الناس وحقوقهم مثلما حدث في لبنان مثلا؟

يلفت مختصون الى ان فرض الوصاية هو خطوة قانونية تنص عليها قوانين المصارف، وهدفها الأساسي التدخل لحماية أموال المودعين واستقرار المركز المالي للمصرف عند رصد خلل إداري أو مالي خطير، ولا يعني بالضرورة إعلان الإفلاس النهائي.

فهل هناك خوف من سيناريو مشابه للأزمة اللبنانية؟ يتفق القانونيون على ان المقارنة مع الانموذج اللبناني غير دقيقة من الناحية الهيكلية والمصرفية لأسباب جوهرية، في الأزمة اللبنانية، حصل الانهيار نتيجة تداخل منظومة القطاع المصرفي بالكامل مع أزمة السيادة المالية والدولة واجتياح عجز هائل لكل النظام. أما في العراق، فالإجراء محصور بمصرف أهلي واحد (أو مصارف محددة) تبين وجود خلل أو مخالفات تخص إدارته الفردية، وتدخل البنك المركزي يهدف أصلا لمنع انهيار المصرف لا تغطيته، ويتمتع البنك المركزي العراقي بموقف احتياطيات أجنبية قوي يختلف جذريا عن واقع الانهيار الهيكلي والنقدي الذي شهده لبنان.

وعادة ما تهدف لجان الوصاية إلى تدقيق الحسابات وإعادة هيكلة الأصول والالتزامات لضمان الحقوق، اذ تشدد البيانات الرسمية على أن أموال المودعين تتمتع بحماية القانون وضمانات البنك المركزي الذي سيعمل إما على تصحيح مسار المصرف أو ترتيب عمليات تسوية دقيقة تضمن عدم ضياع الودائع.

طبيعة الأحداث المرتبطة بمصرف "الطيف" قد تثير بشكل اعتيادي موجة قلق مؤقتة لدى بعض المتعاملين مع القطاع المصرفي الأهلي، نظرا لحساسية ملف الثقة المالية في السوق العراقية عموما وذاكرة الجمهور المرتبطة بالتجارب السابقة. فقد تلجأ شريحة من المودعين بسبب نفاد الصبر إلى مراقبة حساباتهم أو الاستفسار عن متانة مصارفهم الخاصة، بخاصة مع غياب الشفافية الكاملة أحيانا في الإعلان الفوري عن تفاصيل المخالفات قبل تفاقمها.

المصارف الأهلية في العراق تتباين بشكل كبير في اوضاعها المالية، بحجم سيولتها، والتزامها بالمعايير الرقابية الدولية والمحلية؛ فإجراء البنك المركزي هو تدبير علاجي موجه لحالة استثنائية ثبت فيها الخلل، ولا يعني بالضرورة تواجد عدوى هيكلية تشمل المصارف الخاصة كافة، وذلك ما تنوه اليه التصريحات.

ان مدى اتساع رقعة المخاوف يعتمد كليا على سرعة وشفافية البنك المركزي في احتواء الأزمة، وتقديم رسائل اطمئنان عملية للمودعين، وتأكيد قدرة الجهاز المصرفي ككل على الوفاء بالتزاماته لتجنب تحول أزمة مصرف واحد إلى هلع عام يضر بالاستقرار النقدي.

ويلفت قانونيون الى ان حقوق المتضررين والمودعين محمية قانونا، وفي الحالات القصوى أو عند تعثر أي مصرف مجاز بشكل نهائي، تتواجد آليات تنظيمية ومؤسسية واضحة للتعويض وضمان عدم تبخر الأموال، اذ تلزم التشريعات المصارف المجازة كافة بالاشتراك في "الشركة العراقية لضمان الودائع" التي تأسست برأس مال داعم بين القطاعين الحكومي والخاص، وهي الجهة المسؤولة قانونا عن دفع التعويضات للمودعين ضمن سقوف محددة في حال ثبوت تعثر المصرف عجزا أو إفلاسا.

إن تعيين "وصي" لا يعبر عن تصفية أو إفلاس فوري، بل هو إجراء استباقي تسبقه سيطرة قانونية على أصول المصرف وموجوداته العقارية والمالية لضمان استغلالها أولا لتغطية التزامات وحقوق المودعين قبل أي جهة أخرى، و البيانات الرسمية للبنك المركزي تشير إلى أن نسبة الأصول السائلة وهي الأموال النقدية أو الموارد المالية التي يمكن تحويلها إلى نقد بسرعة وسهولة من دون خسارة كبيرة في قيمتها، إلى الالتزامات قصيرة الأجل في عموم الجهاز المصرفي، تفوق النسبة الافتراضية المطلوبة، ومتجاوزة بنسبة 60%، مما يعني تواجد غطاء مالي كاف لاحتواء الهزات الفردية ومنع تحولها إلى أزمة سيولة شاملة. 

وفيما يتساءل كثير من المودعين عن انهم فوجئوا بالقرار، وكان يفترض اعمام بيان بشـأن ذلك قبل اصداره، لكن المختصين يقولون ان الالتزام القانوني والسرية الرقابية يمنعان المصارف عادة من إصدار مثل هذه البيانات الفردية قبل تدخل البنك المركزي، فقرارات فرض الوصاية وتعيين وصي تجري بشكل مفاجئ وفوري لضمان عدم تهريب الأموال أو التلاعب بالأصول من قبل الإدارة التي ثبت تواجد مخالفات لديها.

 وان إصدار المصرف لبيان طمأنة من تلقاء نفسه يتعارض مع الآليات الإشرافية لأسباب ترتبط بطبيعة المخالفات، فإذا كانت الإدارة متورطة بمخالفات أو شبهات مالية دفعت البنك المركزي للتدخل، فمن غير المرجح أن تكون شفافة مع جمهور المودعين، بل ربما تحاول إخفاء الحقيقة لتجنب التدافع. وبمجرد صدور قرار الوصاية، تسحب الصلاحيات التنفيذية فورا من إدارة المصرف ومجلس إدارته لصالح الوصي المعين من قبل البنك المركزي، مما يجعل أي تصريح سابق أو لاحق خارج صلاحيات الإدارة السابقة. وان إدارة الأزمة وإيصال رسائل الطمأنة تصبحان حصريا مسؤولية البنك المركزي العراقي والوصي القانوني الجديد، الذي يتولى تقويم الوضع المالي بدقة ومخاطبة الرأي العام بالوقائع بدلا من الوعود الإنشائية التي قد تطلقها إدارة متضررة أو متواطئة.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!