سبق أن كتبت رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني على شكل مقال بعنوان (لا تفعلها رجاءً)، عند توجهه إلى ألمانيا لتوقيع اتفاقية مع شركة سيمنز، كنت أعرف أنها لن تحل مشكلة الكهرباء، لأنها تركز على قطاع النقل والتوزيع بينما مشكلتنا الرئيسية تكمن بشحة الإنتاج.
أخطاء التجارب السابقة التي وقع فيها كل رؤساء الوزراء السابقين في ملف الكهرباء، يمكن أن تكون دليلاً كافياً لإنهاء أزمة الكهرباء بمجرد تجنب تكرارها، قبل المضي في توقيع العقود الخاصة بهذا القطاع، لا سيما وأن ثمة توجه إلى توقيع اتفاقية مع جنرال إلكتريك سوف لن تكون أفضل من سابقاتها، إذا لم تتجاوز الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في هذا القطاع على مدى 22 عاماً، والتي سأذكر بعضها، عل ذلك يكون دليلاً كافياً على تجنبها في الاتفاقية المزمع توقيعها مع جنرال إلكتريك.
في شهر كانون الأول من عام 2008، وقع وزير الكهرباء العراقي حينها كريم وحيد عقداً مع شركة جنرال إلكتريك لتجهيز العراق ب 56 وحدة توليد طاقة كهربائية تستخدم أنواعاً متعددة من الوقود، بقيمة مليارين و800 مليون دولار. وكانت طاقة الوحدة التوليدية التصميمية 125 ميغاواط بإجمالي 7000 ميغاواط.
وفي الشهر ذاته كانون الأول 2008، وقع الوزير ذاته، عقداً مع شركة سيمنز بقيمة مليار و909 ملايين دولار لتجهيز العراق ب 16 وحدة توليد كهربائية تبلغ طاقتها الإجمالية التصميمية 3190 ميغاواط، وتعاقدت الوزارة مع شركات أخرى، من جنسيات مختلفة، لنصب تلك الوحدات التوليدية، وكان المفترض أن يتم إنهاء نصبها في غضون عامين، بينما نُصب آخرها في عام 2021، وكانت الحسابات التي قُدّمت إلى رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي في وقتها، أن نصب تلك التوربينات ستنتج عنه- استناداً إلى القدرة التصميمية- قدرة تزيد على العشرة آلاف ميغاواط، لكن النتيجة كانت نحو ثلاثة آلاف وخمسمئة ميغاواط، لأن كفاءة التوربينات الغازية، لا تتعدى في أفضل الظروف 36.2% كما هو معروف عالمياً، وكما أثبتت النتائج المتحققة على الأرض لاحقاً.
سُوّغ نقص القدرة الفعلية المنتجة، بأن التوربينات التي تم التعاقد عليها، تعمل على الغاز فيما تعمل الآن -وقتها- على نوع آخر من الوقود- وهذا ما ردده كل رؤساء الوزراء اللاحقين بتأثير لوبي الفساد الذي يسيطر على هذا القطاع- وفي الحقيقة، فإن كل التوربينات الغازية المتعاقد عليها، مصممة فعلاً للعمل على أنواع متعددة من الوقود غير الغاز، وتغيير نوع الوقود المستخدم في التشغيل، لا يقلل الكفاءة أكثر من 7% من قدرة التوليد -هذا في حالة استخدامنا للنفط الأسود كوقود، وهو أسوأ أنواع الوقود- ولكن يستخدم هذا العذر لتسويغ خطأ -ربما غير مقصود- في التعاقدات.
تجزئة العقد إلى جزأين أحدهما لتجهيز التوربينات، وآخر لنصبها، يحمل في طياته شبهات فساد يبررها البعض بأن الشركات المنتجة للتوربينات، مثل جنرال إلكتريك، وسيمنز لا تقوم بنصبها، وهو عذر حتى لو كان صحيحاً- وهو غير صحيح- فهو أمر تقع مسؤولية التعاقد عليه على الشركة المجهزة، لأن من المؤكد أنها خلال سنوات عملها الطويلة أنشأت علاقات عمل مع شركات مرمووقة ومعروفة لنصبها، ما يجنب العراق الدخول في دهليز التعاقدات الثانوية مع شركات غير متخصصة، أخفقت في تجاربنا السابقة في نصب التوربينات في التوقيتات المتعاقد عليها.
المشكلة الثانية التي عانينا منها، هي سرقة وقود المحطات، فقد صرح علاء محي الدين المفتش العام لوزارة الكهرباء سابقاً، لوكالة الصحافة الفرنسية بتاريخ 23/6/2011 إنّ كميات كبيرة من الوقود “تُنقل في صهاريج إلى محطات الكهرباء، لكنها لا تصل إلى وجهتها، وتختفي في الطريق”. وأن عمليات السرقة هذه من تنفيذ من يتولون النقل، ولكنها تتم بتواطؤ مسؤولين كبار في الوزارة. وذكر على سبيل المثال أنّ 120 صهريجاً كانت تنقل الوقود في تشرين الثاني/نوفمبر من مصفاة بيجي إلى سامراء اللتين تبعدان 90 كلم، وحُوِّل طريقها وسرقة الوقود الذي تنقله. واكتشف المفتشون في مرة أخرى اختفاء 260 صهريجاً آخر على طريق بغداد. وقال المسؤول “نحاول إنشاء آلية تفتيش صارمة لمنع السرقة، لكننا نتعرض لمضايقة مجموعات في الوزارة لها علاقة بهيئات النقل”
حل هذه المشكلة يكمن في تغذية المحطات الجديدة المزمع التعاقد على إنشائها على الغاز المصاحب الذي ما زلنا نحرق منه مليارات الأمتار المكعبة سنوياً، وبالمناسبة فإن أي حديث عن أن استثماره يتطلب عدة سنوات محض هراء، فهو لا يتطلب أكثر من سنة، استناداً إلى تقرير منشور في مجلة الإيكونوميست في آذار 2014.
الأمر الثالث الذي عانينا منه، هو في الاستجابة غير المدروسة لمطالب الشركات في مدد التنفيذ الطويلة التي يمكن اختزالها إلى الثلث أو أقل. فغالباً ما تخضع الوزارات العراقية عموماً، ولا سيما وزارة الكهرباء، إلى الموافقة على مدة تنفيذ أي عقد يتعلق بمشاريعها من دون محاولة تقليص المدة، وتوفير ما يحقق ذلكل، لأن التأخير يعني أننا سوف لن نتلمس مقدار الزيادة المتحققة من دخول محطة لإنتاج ثلاثة آلاف ميغاواط -مثلاً- إذا تطلب إنجازها ثلاث سنوات، لأن مقدار الزيادة بالطلب، تتراوح بين ألف، وألف وخمسمئة ميغاواط سنوياً، فدخول إنتاج المحطة إلى الخدمة سيغطي فقط مقدار الزيادة في الطلب التي نشأت خلال سنتي التنفيذ.
وحل هذه المشكلة يتطلب معرفة معوقات تقليص المدة، وفي الغالب يكون السبب في أن الشركات تحسب المدة على أساس العمل ثماني ساعات يومياً، وهذه يمكن حلها بتوفير وجبات عمل متتالية على مدار الساعة، أي ثلاث وجبات عمل متتالية من ثماني ساعات، لا سيما وأن الوزارة تعاني فائضاً في أعداد الكوادر الفنية والهندسية والإدارية قد يتجاوز نسبة 50%، واستخدام هذا الفائض في المشاريع الجديدة لا يقلص مدة التنفيذ فقط، بل يقلص كلفة المشاريع أيضاً، لأننا سنوفر على الشركات المنفذة الأيدي العاملة، ما يتطلب تقليص الكلفة، فضلاً عن أننا بذلك سنقضي على الترهل الوظيفي في الوزارة.
الأمر الرابع يتعلق بالكلفة المضاعفة لمشاريع إنشاء محطات الإنتاج، فيُرَوّج في أروقة الوزارة، وفي الإعلام، بأن كلفة التعاقد لإنشاء محطة إنتاج، يخضع لمعادلة أن إنتاج ألف ميغاواط تبلغ مليار دولار، وهذه الكلفة تعادل ضعف مثيلتها في بقية بلدان العالم. فقد أُنْشِئت محطة “الفجيرة F3” بقدرة إنتاجية تبلغ 2.4 غيغاوات (24,000 ميغاوات)، بتكلفة إجمالية للمشروع بلغت نحو 1.1 مليار دولار، وفي مصر تضمّن العقد مع سيمنز إنشاء 3 محطات توليد كهرباء بقدرة إجمالية 14 ألفاً و400 ميغاوات “بقدرة 4,800 ميغاوات للمحطة الواحدة”، وتبلغ التكلفة الإجمالية للمحطات الثلاث نحو ستة مليارات يورو.
ما يعني وجود مبالغة كبيرة في الأسعار كانت سبباً مضافاً في عدم إصلاح هذا القطاع طوال السنوات السابقة بعد 2003، مع المبالغ الكبيرة التي خصصت لهذا القطاع التي تعدت المئة وخمسة عشر مليار دولار لغاية عام 2025.
وثمة توجهات في التعاقدات في الوزارة لا تخضع لتراتبية منطقية، فثمة عقود واتفاقيات كبيرة في قطاعي النقل والتوزيع لكهرباء تكاد تكون غير موجودة، وثمة إصرار عجيب على استيراد المحولات من الخارج مع توفر مثيلاتها في مصانع وزارة الصناعة، وثمة عقود لنصب عدادات ذكية بذريعة تحقيق إمكانية الدفع الإلكتروني الذي يمكن تحقيقه بالعدادات السابقة بمجرد وضع رقم حساب في ظهر الورقة لمن يريد الدفع إلكترونياً، وثمة مشاريع إنارة طرق خارجية في الوقت الذي نشكو فيه من عدم إمكانية تقليص مدة القطع المبرمج على المواطنين، وغيرها كثير.
وكي لا نعيد أخطاء الماضي، أقترح على سيادتكم أن يكون التعاقد مع شركة جنرال إلكتريك، أو أية شركة أخرى، على إنشاء ونصب وتشغيل محطات إنتاج تغطي كامل الحاجة (25 ميغاواط) دفعة واحدة، ويكون التعاقد على أساس القدرة المتحقة، على أن تتغذى المحطات الجديدة على الغاز المصاحب، وأن تنفذ مشاريع استثمار الغاز بالتوازي مع مشاريع إنشاء المحطات، واشتراط أن ينفذ كل ذلك خلال مدة سنتين فقط، مع توفير الأيدي العاملة (الهندسية والفنية والإدارية، والعاملين الماهرين وغير الماهرين) التي يتطلبها العمل، من الفائض عن أعداد القوى العاملة في الوزارة. وتأجيل كل المشاريع الأخرى التي لا تعالج أصل المشكلة المتمثل بالإنتاج.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!