RSS
2026-06-25 23:54:17

ابحث في الموقع

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - أُسُسٌ عاشُورائيَّةٌ إِستراتيجيَّةٌ 2

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - أُسُسٌ عاشُورائيَّةٌ إِستراتيجيَّةٌ 2
بقلم: نزار حيدر

في النصِّ التَّالي إِثباتٌ لعُمقِ البصيرةِ والوَعي والإِيمانِ الذي تحلَّى بهِ وتجلَّى في رجالِ كربلاء عندما خطبَ الحُسين السِّبط (ع) ليلةَ عاشوراء في أَصحابهِ بقَولهِ {أَمَّا بعدُ فإنّي لا أَعلمُ أَصحاباً أَوفى ولا خَيراً مِن أَصحابي ولا أَهلَ بيتٍ أَبرَّ ولا أَوصلَ مِن أَهلِ بَيتي فجزاكُمُ الله عنَّي جميعاً خيراً.

  أَلا وإِنِّي أَظنُّ يَومَنا مِن هؤُلاءِ الأَعداءِ غداً أَلا وإِنِّي قد أذِنتُ لكُم فانطلقُوا جميعاً في حلٍّ ليسَ عليكُم حَرجٌ منِّي ولا ذِمامٌ هذا اللَّيلُ قد غشيكُم فاتَّخذُوهُ جَمَلاً، وليأخُذ كُلُّ رجلٍ منكُم بيدِ رجلٍ مِن أَهلِ بيتي وتفرَّقُوا في سَوادِكُم ومدائنِكُم حتَّى يُفرِّجَ الله فإِنَّ القومَ إِنَّما يطلبُونني ولو قَد أَصابوني لَهَوا عن طلبِ غَيري}.

  الجوابُ كانَ واضِحاً؛ الرَّفضُ المُطلق!.

  إِنَّ الثِّقةَ واليقينَ يصنعانِ البَصيرةَ عندَ المرءِ إِذا كانَ صاحبَ قضيَّةٍ، وهوَ الأَمرُ الذي تجسَّدَ وتجلَّى في الحُسينِ السِّبطِ (ع) وأَهلِ بيتهِ وأَصحابهِ، ولذلكَ صبرُوا وثبتُوا ولم يتزحزحُوا عن مواقفهِم قيدَ أَنمُلةٍ لأَنَّهم قبلُوا التحدِّي بالبصيرةِ وليسَ بالبصَرِ فالبصيرةُ لا تخدع صاحِبها أَمَّا البصرُ فخدَّاعٌ {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} فاستعدُّوا للتَّضحيةِ من أَجلِ القضيَّةِ بالبصيرةِ والله تعالى يقولُ {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

  ولذلكَ جاءَ التَّحذيرُ مِن عمى القلُوبِ [البَصيرة] بقَولِ الله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

  في المُقابلِ منهُم وقفَ المُعسكَر الآخر الذي كانَ قد رمى نفسهُ في التَّهلُكةِ من غَيرِ أَن يكُونَ لهُ خَيارٌ حقيقيٌّ عندما شاركَ في تنفيذِ قرارِ الحربِ ضدَّ الحُسين السِّبط الشَّهيد (ع) إِمِّا بالتَّرغيبِ أَو بالتَّرهيبِ ولذلكَ تهرَّبُوا منهُ وراحَ كُلُّ واحدٍ يرمي بالمسؤُوليَّة على الآخَر {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} فتبرَّأُوا من جرائمهِم الشَّنيعة في أَوَّلِ مُواجهةٍ معَ الحقيقةِ ولومِ اللَّائمِ فكانَ منهُم وعلى رأسهِم طاغِيةَ الشَّام يزيد الذي تذكرُ مصادِرُ التَّاريخ بأَنَّهُ ندِم على قرارهِ بقتلِ الحُسين السِّبط (ع) والله تعالى يقُولُ {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗوَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚوَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.

  كذلكَ قائدُ جيوشِ الأَمويِّينَ في كربلاء عُمر بن سعدٍ الذي قبِلَ بالمُهمَّةِ طمعاً بمُلكِ الريِّ الذي دغدغَ أَحلامهُ المريضةَ فعادَ منها خالي الوِفاض من الدُّنيا إِذ لم يحصَل على مُبتغاهُ كما وعدهُ عامِل الأَمويِّينَ على الكوفةِ زياد بن أَبيهِ وفي الآخرةِ {عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} بالإِثمِ العظيمِ الذي ارتكبهُ بقتلهِ سيِّد شباب أَهل الجنَّة كما في حديثِ جدِّهِ رسولُ الله (ص).  

  ب/ عندما تتَّخذُ المَوقفَ وتتبنَّى الرَّأي عن ثقةٍ ويقينٍ ويستقِرُّ أَمرُكَ على هدفٍ وقتَها لا تُصغِ لقولِ القائلِ وعتبِ العاتبِ، فالمَوقفُ هوَ موقفُكَ والمسؤُوليَّةُ هيَ مسؤُوليَّتكَ فلماذا تَعطي للنَّاسِ أُذُنكَ ليخُوضُوا في قرارِكَ حتَّى من دُونِ طلبٍ منكَ ليثبِّطوكَ ويقلِّلوا من شأنِ مَوقِفِكَ ويحُولُوا وقد يُعرقِلُوا التزامَكَ بما آمنتَ بهِ من مَوقفٍ وتبنَّيتَ من رأيٍ؟! فهل سيتحمَّلونَ عنكَ شيئاً من المسؤُوليَّةِ إِذا تراجَعتَ أَو غيَّرتَ؟!.

  أَبداً وإِنَّما هُم كالَّشيطانِ ينتقدُونَ ويُوسوِسونَ ويحطِّمونَ إِرادتكَ ويضعِّفونَ قناعاتكَ وثِقتكَ بنفسِكَ بالتَّشكيكِ ويكسِرونَ إِرادتكَ وعندما ينجحُونَ في تحقيقِ شيئٍ من ذلكَ ثمَّ تلوذُ أَو تستنجِدُ بهِم ليُساعِدُوكَ للخرُوجِ من [الوِرطةِ] قالُوا لكَ [إِقلَع شوكَكَ بيدِكَ] و {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} أَو رَدُّوا عليكَ كما ردَّ الشَّيطانُ {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}.

  ففي نهايةِ المَطافِ سيكونُونَ هُم الذينَ يخافُونَ الله وأَنتَ الذي لا تَخاف الله!.

  يصِفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) حالهُ عندما يتَّخِذَ القرارَ {دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَه وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ولَا تَثْبُتُ عَلَيْه الْعُقُولُ وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!}.

  طبعاً لا يعني ذلكَ أَن تعطي للإِستشارةِ والمُستشارينَ الأُذُنُ الصمَّاءَ أَبداً وإِنَّما المقصُودُ؛

  أ/ الإِصغاءُ إِلى الإِستشاراتِ التي تفتَحُ لكَ آفاقاً واسعةً من التَّفكيرِ والتأَمُّلِ لتحسينِ خَياراتِكَ وعدمِ الإِصغاءِ إِلى المُرجفينَ والذينَ تكتشِفُ نواياهُم الخبيثةَ وغَير السَّليمةَ بسعيهِم لتحطيمِ معنويَّاتكَ وتدميرِ قراركَ من دونِ أَن يقترِحُوا عليكَ بديلاً معقُولاً! أَي أَنَّهم يهدمُونَ كُلَّ شيءٍ ولا يبنُونَ شيئاً.

  ب/ الإِصغاءُ للإِستشاراتِ والنِّقاشِ والحوارِ وتبادلِ الأَفكارِ والآراءِ كُلُّها تكونُ قبلَ اتِّخاذِ القرارِ عن بصيرةٍ فإِذا اتَّخذتَ قراركَ فلا مَجالَ عندَها للنِّقاشِ والإِستشارةِ.

  يقولُ تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ولقَد قالَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لِعَبْدِ اللَّه بْنِ الْعَبَّاسِ وقَدْ أَشَارَ إِلَيْه فِي شَيْءٍ لَمْ يُوَافِقْ رَأْيَهُ {لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وأَرَى فَإِنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي}. 

  هي [٣] مَراحِل؛ الإِستشارةُ واتِّخاذُ القَرارِ ثُمَّ التَّنفيذُ، وهي مراحِل مُنفصِلةً عن بعضِها وإِنَّ أَيَّ خلطٍ أَو تداخُلٍ سيُدمِّرُ قراركَ مهما كانَ نوعهُ.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!