بعد أيام من استهداف دقيق للقيادات الإيرانية العليا للدولة، كان وفق أبجديات العملية الأمريكية أن يسقط النظام، ولكن العكس حدث واستمرت الحرب، حيث اكتشف الرئيس الأمريكي ترامب حينها أنه يقاتل الصين وروسيا بواجهة إيران هناك! وهنا وجد ترامب نفسه أن الصين وروسيا تجرانه إلى حرب استنزاف طويلة لم يخترها كحرب أوكرانيا وروسيا!! ففتح ترامب قبعته ليمارس ما يُجيده، فلم يدخر الرجل كل أساليب الضغط بالكلام والتلويح بالإنهاء لإيران إذا لم توافق على المفاوضات للخلاص من هذا الوحل، وبشكل ما بُين للإيرانيين مرونة كبيرة بقبول كل ما يريدونه، ليس لأنه مقتنع أو تخبّط، وإنما كانت طريقة دقيقة منه فقط لإيقاف الحرب، وبعدها بإمكانه إنكار كل شيء والعودة للحصار والضغوط بطرق أخرى، فهو يعلم أن الاستمرار بهذه الحرب استنزاف، وكذلك يعلم أن إيران لا تُريد الاستمرار أيضًا.
العبث الاستراتيجي
استخدام فكرة "العبث الاستراتيجي" الأمريكي لمواجهة "الصبر الاستراتيجي" الإيراني كانت كفيلة بجلوس إيران على طاولة المفاوضات وجهًا لوجه وبداية فصل جديد عالميًا، فالتصريحات المتناقضة من ترامب لم تكن عبثًا صبيانيًا، وإنما كانت وسيلة لغاية ضبط بها إيقاع سوق النفط وكذلك سلاح مواجهة مع إيران الموتورة حينها.
أمريكا لم تكن تريد حربًا، وإنما كانت تريد عملية سريعة تُخضع إيران بأي شكل. وعليه لما تعقّدت الأمور وتبين أنه لا حل، استخدم ترامب الضغط الأقصى لقبول إيران بخطة هدنة باكستان، فغادر كل شيء وخرج، وبعدها عاد لممارسة أسلوب أمريكا المعتاد بالحصار والضغط، وهو أحد الأمور التي ساهمت بإعادة فتح مضيق هرمز.
الجبهة اللبنانية ومصير هرمز
بعد هدنة باكستان، لو أن إسرائيل قبلت بعدم قصف لبنان لأعطى ذلك جرعة قوة لحزب الله على الساحة اللبنانية، وليبين ذلك أن إيران هي من أنقذت لبنان. ولأن إسرائيل تعرف أن هناك أصواتًا في لبنان يمكنها أن تتفق معها ضد حزب الله، فإن قبول هدنة باكستان يعني إضعافًا لتلك القوى المناوئة لحزب الله. ظهرت فكرة المفاوضات اللبنانية المباشرة بين لبنان وإسرائيل بشكل حتى لو صوري ليبين أن من أنقذ الموقف في لبنان هم الطرف اللبناني الداعي للسلام مع إسرائيل. و بضغوط من ترامب حتى تنتهي مشكلة مضيق هرمز، دخلت جبهة لبنان باتفاق هدنة مع إسرائيل تستمر 10 أيام بعد بداية حراك حكومي لبناني يفاوض إسرائيل بشكل أعياه ليبين استقلاليته ولو شكليًا عن التأثير الإيراني. ولكن بعد دخول الهدنة على جبهة لبنان حيز التطبيق، أعلنت إيران أنها فتحت هرمز بالكامل.
وكأن الأمر أصبح: إيقاف قصف قواعد أمريكا وإسرائيل مقابل عدم قصف إيران، وفتح مضيق هرمز مقابل هدنة لبنان.
المسار الدبلوماسي الباكستاني يبدو أنه انتصر حتى الآن، لأنه فعليًا أمريكا لا تُريد حربًا وكذلك إيران لن تريد حربًا، ولكن أمريكا تربح بالضغوط أفضل لها، وإيران ضغوط الحرب شر يُتعبها.
لماذا إسلام آباد وليس أنقرة؟
إيران تفهم جيدًا أن نجاح المفاوضات سيمكن الدولة الراعية لدور محوري دولي على الساحة الدولية، وهذا الدور اختارته إيران لباكستان لعدة عوامل، أهمها أنها ترى إسلام آباد عمق قوة لها، وكذلك لعداء باكستان مع الهند الحليف الأقرب لإسرائيل بالأزمة. وعلى جانب آخر، هذه الحرب وما قبلها يمكن أن تؤثر و أثرت على مساحة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وإعطاء هذا الدور لأنقرة يمكنها أكثر من ملء الفراغ الإيراني، وهذا ما لا تُريده إيران، لأنها تعرف الفصل القادم بباكستان هو دور عاصم منير قائد الجيش، وهو لم يؤثر عليها. أما تركيا لو كانت مقر المفاوضات لكان الهدف ملء فراغ إيران الإقليمي. كذلك أيضًا أمريكا وإسرائيل لا تريدان دورًا إقليميًا كبيرًا يزيد من قوة أردوغان.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!