RSS
2026-04-15 13:02:08

ابحث في الموقع

تمثُّلات الرحمة بين النص القانوني والتطبيق القضائي

تمثُّلات الرحمة بين النص القانوني والتطبيق القضائي
بقلم: القاضي ناصر عمران

لا يختلف الكثيرون على أن الفلسفة لا تستأثر بإنتاجية القانون بمفردها، بل تشاركها في هذه الانتاجية مجموعة من العوامل، أولها مراحل التطور التاريخي لنشوء القاعدة القانونية، الأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية التي اكتسبت صفة ملزمة بفعل الاعتياد وحاجة المجتمعات العملية للتنظيم، الأمر الذي وجدت فيه الزعامات المجتمعية والسياسية والدينية ضالتها في التأسيس لزعاماتها وسلطاتها المجتمعية والسياسية ثم القانونية، فعمدت وطبقاً للعقد الاجتماعي الى مأسسة المجتمعات انطلاقا من فكرة حاجة المجتمعات ومقتضيات المصلحة العامة لوجود تنظيم قانوني وهذه التشكيلة التنظيمية افرزت من خلال بنائه المجتمعي حاكما ومحكوما وأدوات تعاطٍ في العلاقة بينهما وهي القواعد القانونية، وعلى امتداد التطورات المجتمعية الباحثة عن التنظيم للقانون كان للفكر الإنساني دور هام فيها مع تقييمها وتقويمها من خلال قنوات ضغط على الفاعل التشريعي، ولعل الأدوات الفكرية الفلسفية واحدة من اهم هذه القنوات، فالفلسفة المرافقة اللصيق للقانون ان لم يكن القانون صورة لرؤاها واحد تمظهراتها الواقعية، وحضورها يأتي دائما مقترناً بالتساؤلات الأساسية الباحثة عن إجابات غير تقليدية، تنطلق من الماهية والكيفية والغاية ومن هذه التساؤلات يبرز مفهوم الرحمة وكينونته الوجودية ضمن سياقات النص القانوني او التطبيق القضائي باعتبارها قيمة إنسانية، فالبعض يجد ان حضور الرحمة لا يتأتى من خلال النص القانوني المجرد وانما من مزاوجة بين حضور البنية اللغوية والاصطلاحية للنص التي يلبسها القاضي للواقعة المعروضة عند تطبيق النص قضائيا.

 وعليه فالتعاطي مع الرحمة بهذا المفهوم ليست صناعة نص قانوني مجرد او إنتاجية تطبيق قضائي بحث بل مزاوجة بينهما، دون تحديد لوجودها الواقعي في النص القانوني الذي لا يتعاطى مع الرحمة ولا تكون حاضرة في ذهنية المشرع فالمشرع صانع للنص التشريعي التنظيمي للعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. ومن صفات القاعدة القانونية ان تكون عامة مجردة موضوعية مقترنة بجزاء ومن خلالها يكون القاضي مطبقا للنص هدفه تحقيق العدالة والعدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه وتطبيق القانون بإنصاف وهي ليست الرحمة التي تعني الراقة وحسن التعامل وميادين حضورهن يختلف فالعدالة مقترنة بالعمل القضائي كهدف وغاية من خلال احقاق الحق لكن الرحمة مقترنة بالإله هو الرحمن الرحيم وللحقيقة ان هذه الجدلية لم تكن وليدة الراهن والحاضر بل هي متجذرة في قدمها سابقه للنص القانوني الذي يرتجي مريدوه تحقيق الرحمة وأن تكون حاضرة في النص القانوني والتطبيق القضائي، فالبعض يرى ان أسباب الإباحة موانع المسؤولية ظروف التخفيف في الجانب الجزائي ومثل ذلك في الجانب المدني الضرورات والظروف الطارئة كل هذه حضور للرحمة في النص القانوني في حين لا يرى اخرون ذلك ويعتبرون هذه الاعذار والظروف والأسباب من متبنيات العدالة ولا علاقة لها بالحضور الفعلي للنص القانوني او التطبيق القضائي وان الرحمة تأتي من الشعور بالعدالة، هو ما يشير الى الاختلاف في تمثلاتها هل في النص القانوني ام في التطبيق القضائي ام هي في الكلية النظرية والتطبيق، وقد اتخذت هذه الرؤى الفلسفية مديات وطرقا متعددة في التعبير عن نفسها، فظهرت في الاعمال الفكرية والفنية و الأدبية حتى ان بعض الكتاب كالكاتب السويسري فريدريش دورنمات وجه فلسفة نقدية للنظام القضائي في روايته الفلسفية (تنفيذ العدالة) حملت تساؤلات عن طبيعة العدالة ذاتها وعن مدى قدرة النظام القضائي على تحقيقها ولم يكن كتاب (رحمة العدالة) للباحثة الامريكية أستاذة القانون ليندا روس ماير بعيداً عن هذه الإشكالية فهي التي تناولت العلاقة الفلسفية بين الرحمة والعدالة في كتابها وخلصت خلاله الى ان الرحمة ليست نقيضا للعدالة بل يمكن ان تكون جزءا مكملا لها داخل النظام القانوني وناقشت موضوعا غاية في الأهمية وهو مدى تعايش الرحمة مع العدالة في النظام القانوني وبالمحصلة رأت ان الرحمة لا تناقض العدالة وربما تكون جزء من فلسفة العقاب نفسها، والحقيقة ان ثمة مغالطات كثيرة في هذا الموضوع وقع فيها مجوعة من القضاة فتجربة القاضي الراحل فرانشيسكو كابريوا والذي يطلق عليه القاضي الرحيم وما يقوم به السادة المستشارون القضاة وبخاصة في الدول العربية عند نظر الدعوى وفي احد ى المقاطع المنشورة يتعاطف القاضي مع المتهمة الحاضرة بعد ان سألها عن ظروفها وسبب تعذرها عن دفع مبلغ المال فيبادر بدفع مبلغ ويدعو كل من في القاعة الى المشاركة ويقوم بجمع المال ويقدمه للمشتكي خوفا ان هذه الصور والسلوكيات التي يحاول القضاة التعاطي فيها مع الرحمة كقيمة إنسانية حاضرة الا انها في الجانب الاخر تصيب العدالة ربما في مقتل وبخاصة انها حضرت من تعاطي القاضي مطبق النص القانوني لتحقيق العدالة ان القاضي في هذه الصور يتجاوز طبيعة عمله باعتباره مطبقا للقانون الى عنوان اخر يبدوا فيه رحيما في حين ان القاضي بإيجابية عمله يكون قاض عادل ولا نقول قاضي ارحيم لان القاضي مشدود الى النص ويعمل ضمن فضاؤه وسلطته المطلقة في نظر الدعوى ضمنها القانون لتحقيق قناعته عقيدته الوجدانية عند اصدار قرار الحكم باعتباره خلاصة وعنوان للحقيقية القضائية المرتبطة بحيثيات القضية المنظورة امامها، ولعل سائل يسأل عن روح القانون هل هي متبنى تحقيقي للعدالة ام للرحمة..؟ والجواب كيف يمكننا تحقيق روح القانون في النص القانوني. ان تحقيق نص القانون يأتي من جواز النص ذاته لغة واصطلاحا على القراءات المتعددة والذي منح القاضي قدرة على قراءة النص و تفسيره بالطريقة التي منحت ان يكون متسقاً مع المبادئ الإنسانية العامة المنطلقة من أساس الطبيعة البشرية المجبولة على الفطرة والبراءة والاستثناء نقيضهما وروح النص لا يعني تجاوز العدالة مطلقا وانما هي رؤية للقاضي يستخلصها من روح النص وليس من ظاهره فقط مشدودا الى هذه المبادئ التي تحدثنا عنها، وبالرغم من كل ما طرح فإننا لا يمكن ان نتغاضى وجود الرحمة والتعاطي معها ولكن كقيمة إنسانية تبثق من تحقيق العدالة وليست قفزا عليها ولاوجود لها في النص القانوني او التطبيق القضائية وهما أدوات تحقيق العدالة، وأخيرا وليس اخرا فان الباب يبقى مفتوحاً على مصراعيه لرؤى جديدة حاضرة قد تتفق او تختلف ولكنها بالتأكيد ستغني الرؤية الفلسفية الجدلية عن ماهية الرحمة وتمثلاتها في العملية القضائية نصا وتطبيقا.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!