ومع إصرار تركيا على تقليص حصة الفرات إلى 100 متر مكعب/ثانية، حذر الخبراء من انتقال البلاد من مرحلة الجفاف إلى “الندرة الحادة”، مشددين على ضرورة تحديث طرق الري التي تستهلك 80% من المياه واعتماد الدبلوماسية الضاغطة لضمان الحقوق التاريخية للعراق.
تعقيد مائي مزدوج
يقول خبير الموارد المائية نجم الغزي، إن “الاتفاقيات المائية بين العراق وسوريا تستند إلى تفاهمات سابقة تقضي بحصول العراق على نسبة 58 بالمئة من الموارد المائية، مقابل 42 بالمئة لسوريا”، مبيناً أن “الالتزام بهذه النسب كان قائماً في فترات سابقة، غير أن المشهد السياسي وتشكيل حكومات جديدة يفتحان باب النقاش حول مدى استمرار الالتزام بهذه التفاهمات”.
وينوه الغزي إلى أن “العراق يواجه تعقيداً مزدوجاً في ملف المياه، إذ لا تقتصر الأزمة على الإطلاقات الخارجية فحسب، وإنما تمتد إلى مشكلات داخلية تتعلق بسوء الإدارة وارتفاع نسب الهدر في شبكات الري واعتماد أساليب زراعية بدائية، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه وتعرضها للتلوث وتحولها إلى مياه غير صالحة للشرب”.
ويعتقد، أن “حجم السكان المتزايد يفاقم الضغط على الموارد المائية، والعراق سيبقى على حافة الشحة المائية ما لم تعالج أسباب الخلل الخارجي والداخلي بصورة متوازنة وجدية”.
خزين يكفي ستة أشهر
وكشف مرصد العراق الأخضر المتخصص بشؤون البيئة، يوم الاثنين (16 شباط 2026)، أن خزين المياه في البلاد يكفي حتى شهر آب المقبل، في ظل ارتفاع الاستهلاك وضعف الإطلاقات المائية.
وقال المرصد، في بيان، إن “الأمطار التي هطلت على العراق لا يمكن أن تصمد أمام الاستهلاك العالي للمياه في الزراعة واستخدامات المواطنين لأكثر من شهر آب المقبل”، مضيفاً أن “التوقعات كانت تشير إلى أن العام الحالي سيكون رطباً وأقرب إلى عام 2019 الذي عُدّ استثنائياً من ناحية الأمطار، إذ تمكن العراق آنذاك من خزن المياه واستخدامها لأكثر من سنتين”.
عقوبة وموقف سلبي
وأوضح المرصد، أن “تركيا مصرة على عدم إطلاق أي كميات من المياه باتجاه العراق، في موقف سلبي ولا يمكن أن يكون إلا عقوبة على العراق وشعبه”، مشيراً إلى “اتصال جرى قبل أيام بين رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تناول أشكال التعاون المختلفة، من دون التطرق إلى إطلاق كميات من المياه يمكن أن ترفع مناسيب نهري دجلة والفرات وتحسن نوعية المياه فيهما وتنعش الأهوار وتعزز الخزين في السدود والبحيرات”.
وكان وكيل وزارة الخارجية هشام العلوي، قال يوم الأحد (15 شباط 2026)، إن هناك مجموعة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم بين العراق وتركيا بشأن المياه، من بينها اتفاقية عام 1946 التي تضمنت فقرات تتعلق بالمياه. وأوضح، أن الحكومة تعمل عبر مسارين؛ الأول تكثيف المفاوضات مع أنقرة للتوصل إلى تحديد واضح للحصة العادلة والمنصفة، سواء كنسبة مئوية أو كحد أدنى من الإطلاقات عند نقطة الدخول إلى العراق، والثاني يتضمن تبادل المعلومات وتنفيذ مشاريع مشتركة تسهم في تحسين كفاءة استخدام المياه وتطوير قطاع الموارد المائية والزراعة.
خفص استهلاك المياه
وشدد المرصد على “ضرورة خفض الاستهلاك العالي للمياه في الزراعة عبر استخدام الطرق الحديثة للري، واستثمار كميات الأمطار التي هطلت أو ستهطل خلال هذا العام والأعوام المقبلة”، منبهاً إلى “وجود مشروع لربط العدادات الذكية للمواطنين في مناطق محددة من بغداد على سبيل التجربة، قبل تعميمها على بقية مناطق العراق لتقنين الاستهلاك، فضلاً عن استخدام التقنيات الحديثة والمرشات في الزراعة، حيث بلغت المساحات المروية بهذه التقانات نحو 3 ملايين و500 ألف دونم”.
حوض الفرات فقط
بدوره، يقول تحسين الموسوي الخبير في مجال المياه، إن “الحوار حول الاتفاقية بين العراق وسوريا وتركيا بشأن المياه يخص حوض الفرات فقط، لأن حوض الفرات يعتبر تركيا منطقة منبع وسوريا المصب والفرات في العراق يعتبر المصب الثاني”، مضيفاً “بعد اتفاقية عام 1989 التي وقعها الجانب السوري، والتي أوضحت أنه بعد إشراف البنك الدولي تكون حصة الفرات من المنبع 500 متر مكعب بالثانية مقابل أن تكون حصة العراق منها 58% من الاتفاقية، أي أن العراق يحصل على الحصة الأكبر لأنه بلد المصب الاخير”.
ويردف الموسوي، أن “الاتفاقية ارتبطت أيضاً بالاتفاق الأمني الذي أبرم على أن توقف سوريا دعمها لمنظمة البككة والاعتراف بلواء الإسكندرون مقابل حصة جيدة وملائمة على حوض الفرات”، مبيناً أن “الفرات لا توجد عليه روافد ويأتي مباشرة من تركيا إلى سوريا ومنه إلى العراق، إلا أن الأحداث الأخيرة والعمليات الإرهابية والتطورات السياسية والإقليمية أثرت على هذا الجانب، إذ تابع الجانب التركي قطع كامل لهذه المياه إلا ما يصل بنسبة قليلة إلى سوريا، وانخفضت إطلاقات الفرات بشكل كبير حتى وصلت في بعض الأحيان إلى أقل من 100 متر مكعب بالثانية في العراق”.
الاتفاقيات تنصف العراق
ويدعو الخبير المائي إلى أن “المهتمين بالشأن العراقي إلى مراجعة تاريخ الاتفاقيات، وأشهرها اتفاقية حلب عام 1930 واتفاقية عام 1946 التي ضمتها الحكومة العراقية في عهد نوري السعيد”، مؤكداً أن “القانون الدولي يعطي الحقوق الكاملة للعراق لأن مرتكزات الأنهار الدولية تبنى على ثلاثة أسس: هي التاريخ والجغرافيا والاستخدام الأول، كما أن 68% من مساحة حوض الفرات تقع في العراق مقابل 17% في سوريا والباقي في تركيا، وأن العراق كان أول من أنشأ المنشآت والمصبات”.
100 متر من أصل 500
ويوضح الموسوي، أن “الإيرادات الحالية لا تصل إلى 500 متر مكعب بالثانية، وأن إطلاقات العراق المفترض أن لا تقل عن 350 إلى 450 متر مكعب بالثانية، إلا أنها في بعض الأحيان لا تتجاوز 100 متر مكعب”، لافتاً إلى أن “تراجع الموارد المائية لا يمكن معالجته إذا لم يتم إصلاح الملف الداخلي بالتوازي مع الخارجي، مع ضرورة إعادة سيادة المياه لأن الأنهر المشتركة تدار حالياً من قبل طرف واحد، وهو الجانب التركي بما يعد مخالفة صريحة”.
ندرة تفوق الجفاف
ويرى الموسوي، أن “ربط إدارة الموارد المائية بوزارة الموارد فقط يعد خطأ كبيراً، إذ إن الوزارة مسؤولة عن السدود والمياه الخام والتقسيمات، بينما تتحمل وزارة الزراعة مسؤولية كبيرة لأن القطاع الزراعي يستهلك نحو 80% من المياه ويعتمد على طرق الري بالغمر القديمة، فضلاً عن الاستخدامات الصناعية والبشرية التي تفتقر إلى ثقافة مائية”، محذراً من أن غياب العدالة في توزيع المياه، ستجعل العراق يواجه مرحلة أكبر من الجفاف، بل مرحلة ندرة، ما يستوجب إعادة سياسة مائية كاملة تقوم على وحدة الإنتاج وليس على المساحة فقط”.
معالجة شحة المياه
إلى ذلك، أصدر وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، يوم الاثنين (16 شباط 2026 )، توجيهات جديدة لمديري الدفاع المدني تخص إجراءات معالجة شحّة المياه.
وذكر المكتب الإعلامي لوزير الداخلية، في بيان، أن “الشمري ترأس اجتماع اللجنة العليا للدفاع المدني، بحضور ممثلين عن عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، فضلاً عن المحافظين وقادة الشرطة ومديري الدفاع المدني في بغداد والمحافظات، الذين شاركوا عبر الدائرة التلفزيونية”، مشيراً إلى أن “الاجتماع تطرق إلى معالجة ظاهرة شحّة المياه، وضرورة تكثيف الجهود والتنسيق المشترك بين الجهات ذات العلاقة، لوضع حلول عملية تسهم في التخفيف من آثارها على المواطنين، خاصة في ظل التحديات المناخية الراهنة”.
وأثار توقيع اتفاقية المياه بين بغداد وأنقرة مطلع شهر تشرين الثاني 2025، تفاعلات واسعة في الأوساط السياسية والشعبية داخل العراق، بين مؤيد يرى فيها خطوة تنظيمية ضرورية لتعزيز التعاون المشترك، ومعارض يعتبرها تمس ملفاً سيادياً يرتبط بالأمن القومي والموارد الحيوية للبلاد.
وتزامنت هذه التفاعلات مع حملات على منصات التواصل الاجتماعي دعت إلى إعادة النظر بطبيعة العلاقة مع أنقرة، والمطالبة باستخدام أوراق الضغط الاقتصادي والتجاري في ملف الحصص المائية، في المقابل، وصفت جهات حكومية الاتفاق بأنه ذو أهمية إستراتيجية، مؤكدة أنه يستند إلى مبدأ المنفعة المتبادلة، إذ تستفيد تركيا من النفط العراقي الذي يمر عبر أراضيها، بينما يسعى العراق إلى تحقيق مكاسب حيوية في ملف المياه وتنظيم التعاون الثنائي ضمن أطر رسمية واضحة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!