العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه في خريطة الطاقة العالمية. فبعد أن ظل لعقودٍ لاعباً إقليمياً يعتمد على صادرات النفط الخام، بدأت المؤشرات الاقتصادية والفنية تؤكد أن البلاد تمتلك مقومات التحول إلى قطب عالمي مؤثر في معادلة الطاقة الدولية.
العراق يمتلك أكثر من 145 مليار برميل من الاحتياطي النفطي المؤكد، أي ما يقارب 9% من إجمالي الاحتياطي العالمي، إضافة إلى احتياطي غازي يتجاوز 3.7 تريليون متر مكعب. هذه الثروة الهيدروكربونية، إذا ما أُديرت بكفاءة، يمكن أن تمنح العراق موقعاً متقدماً بين كبار المنتجين والمصدرين.
من الناحية الإنتاجية، يضخ العراق حالياً أكثر من 4.5 مليون برميل يومياً، مع خطط لرفع القدرة إلى 6 ملايين برميل يومياً بحلول 2030. أما في قطاع الغاز، فإن مشاريع استثمار الغاز المصاحب يمكن أن توفر ما يقارب 3 مليارات قدم مكعب يومياً، وهو ما يعادل نصف حاجة العراق من الكهرباء تقريباً. هذه الأرقام تعني أن العراق قادر ليس فقط على تلبية الطلب المحلي، بل أيضاً على تصدير الفائض نحو أسواق أوروبا وآسيا التي تبحث عن بدائل آمنة بعد اضطرابات الإمداد العالمية للطاقة.
لكن التحول إلى قطب عالمي لا يعتمد على الأرقام وحدها، بل على سياسة الطاقة التي يتبناها العراق. هذه السياسة ما زالت تعكس حالة من التردد بين الإرث التقليدي والضرورة الحديثة. فمن جهة، تعتمد الدولة بشكل شبه كامل على صادرات النفط الخام التي تشكل أكثر من 90% من الإيرادات العامة، وهو ما يجعل الاقتصاد رهينة لتقلبات السوق. ومن جهة أخرى، هناك إدراك متزايد بضرورة تنويع مصادر الطاقة واستثمار الغاز المصاحب لتقليل الهدر الذي يتجاوز 1.5 مليار قدم مكعب يومياً يُحرق في الهواء.
ورغم توقيع عقود للطاقة الشمسية وخطوات أولية في استثمار الغاز، إلا أن العراق لم يضع حتى الآن استراتيجية وطنية شاملة للطاقة تمتد لعقدين أو ثلاثة، تحدد نسب المزيج الطاقوي بين النفط والغاز والمتجددة، وتربطها بأهداف التنمية المستدامة. غياب هذه الرؤية يجعل القرارات متفرقة، مرتبطة بالظرف السياسي أكثر من ارتباطها بخطط اقتصادية طويلة الأمد.
على المستوى الدولي، سياسة الطاقة العراقية تتأرجح بين الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وبين النزعة الوطنية لحماية الموارد. هذا التوازن ضروري، لكنه يتطلب إطاراً قانونياً (تشريع قانون النفط والغاز) ومؤسسياً يضمن الشفافية ويشجع الشركات العالمية على الدخول في مشاريع استراتيجية، خصوصاً في قطاع الغاز والبنية التحتية للكهرباء.
الطاقة المتجددة تمثل ورقة رابحة أخرى. العراق يتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس سنوياً، ما يجعله مؤهلاً لإنتاج آلاف الميغاواط من الطاقة الشمسية بتكلفة منخفضة. وإذا ما أُضيفت مشاريع الرياح في المناطق الغربية، فإن العراق يمكن أن يحقق مزيجاً طاقوياً متنوعاً يرفع من مكانته العالمية ويقلل اعتماده على الوقود الأحفوري وحده.
في النهاية، العالم يعيد صياغة موازين الطاقة، والعراق أمام فرصة تاريخية ليكون جزءاً من هذه الصياغة. المؤشرات والأرقام تقول نعم العراق قادر ومؤهل لهذه الفرصة ، السياسة تحتاج إلى جرأة، والإصلاح المؤسسي هو الشرط الحاسم. فإما أن يكون العراق قلباً نابضاً في جسد الطاقة العالمي، أو أن يظل أسيراً لصراعات الداخل وضغوط الخارج. الخيار واضح، والفرصة لا تنتظر.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!