المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 2453

40 تريليون دينار من الاكتناز إلى الادخار

img

بقلم: علي كريم المياحي

 

يخلط الكثير من غير المختصين بين مفهومي الاكتناز والادخار والفرق بينهما كبير حيث يعرف الاكتناز أو كما يطلق عليه بعض الاقتصاديين [ المال المدفون ] بأنه جمع المال و تكديسه والاحتفاظ بالمتراكم منه نقدا سائلا لمدة زمنية طويلة بعيدا عن التداول ومن دون فائدة أو نفع اقتصادي.

فيما يعرف الادخار بأنه عملية اقتصادية إيجابية ونافعة إذ يعد أحد المصادر الرئيسية للاستثمار ونماء الدخل، والاكتناز في المذهب الاقتصادي الإسلامي هو تكديس الأموال وامساكها عن الإنفاق الواجب والأموال المكتنزة تفقد قيمتها الحقيقية مع مرور الوقت، وهو مرفوض في الدين الاسلامي كما يتضح من هذه الآية « والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقوها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم »، فالإسلام يرى الاكتناز مفسد للتوازن المالي والاجتماعي ومعطل للاقتصاد بشكل عام، والقرآن الكريم كما يبدو واضحا وجلي أنه يشجع على الإنفاق كما جاء في أكثر من أية والانفاق وفق النظرية الإسلامية ممدوح بشرط عدم الاسراف أو التبذير « ما انفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين» و « لينفق ذو سعة من سعته» وفي الحديث القدسي (ياعبدي أنفق، أنفق عليك) فهذه الثقافة والسلوك الفردي لا تحتاج إلى محفزات أو اغراءات ربحية بقدر ماهي مسؤولية أخلاقية ووجدانية اتجاه المجتمع، حيث يفرق الاسلام بين ملكية المال وبين ملكية حركة المال، فالفرد في نظر الإسلام له حق ملكية ماله والتصرف فيه حسب القواعد الشرعية ولكن لم يعطه الحق بالكامل في ملكية حركة المال أي أن الإسلام عموما لا يدع الملكية الفردية تطغى على مصالح الجماعة ويقنن نظام الملكية الفردية للمصلحة المشتركة بين الفرد والمجتمع وتقدم مصلحة الجماعة على المصلحة الفردية عند الاصطدام كما يذكر السيد الشيرازي في كتابه الاقتصاد، وكما يشير الإمام علي لذلك في حكمته هذه [ أن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الأغنياء اقوات الفقراء،فما جاع فقير إلا بما متع به غني...].

ورغم كل ذلك وحتى لا نلقي بالمسؤولية كلها على عاتق المواطن والمجتمع عموما ونبتعد عن الواقع،فالمسؤولية تضامنية وهناك تقصير واضح من قبل البنك المركزي والمؤسسات المالية والمصرفية العامة والخاصة في عدم تبني مبادرة شفافة وسياسة ادخار حكيمة (من شأنها أن تخلق الاستثمار وتنطلق بالمجتمع) لتشجيع المواطنين على الادخار الإيجابي ومغادرة ثقافة الاكتناز المدمرة للاقتصاد والمعطلة للنمو، فنسبة المتعاملين مع المصارف 11% من إجمالي السكان تؤشر على أن هناك أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات المصرفية وأيضا ناتجة عن عوق ثقافي قديم جديد (ما دامت النقود معي فأنا آمن وهي آمنة) في نفس الوقت وحجم الكتلة الخارجة عن الدورة الاقتصادية يقدرها المركزي العراقي ب 40 تريليون دينار وهذا المبلغ الضخم يقارب ايرادات العراق النفطية في عام 2007! تلك المسألة المهمة التي لم ينوه عليها سوى بعض الاقتصاديين وركز عليها كثيرا السيد عادل عبد المهدي في مقالات عديدة سابقة طارحا الحلول معها، والمفرح أن يتبنى الأخير هذه المشكلة ويدرجها ضمن منهاجه الحكومي الذي صوت عليه مجلس النواب بعد أن أصبح رئيسا للوزراء بشكل رسمي وكما جاء في الصفحة 22 من منهاجه (السعي لسحب الأموال المجمدة حالياً خارج الدورة المصرفية وادخالها إلى الدورة بتقديم الحوافز والضمانات لتحقيق هذا الغرض).

كلي أمل بأن يقوم السيد عبد المهدي بخطوات عملية عاجلة وإجراءات رشيدة من خلال خطة جريئة ناجعة لتحقيق هذا الهدف الاقتصادي والانتقال بالمجتمع من الاعتماد الكلي على إيرادات النفط إلى الاعتماد على نفسه لتكون هذه الكتلة النقدية المعطلة أداة أساسية ومهمة لدفع عجلة اقتصادنا المريض عبر استخدام هذه الأموال في قطاع الاستثمار وتعزيز الثقافة المصرفية على أمل ان ترتفع نسبة المتعاملين العراقيين مع المصارف على المدى المتوسط أو الطويل من 11% إلى 90% ومن ثم توسيع قاعدة الشمول المالي في العراق الذي لا يزال ينمو ببطء شديد ودون مستوى الطموح.