المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1457

وزير الثقافة

img

 حسن النواب

لا‭ ‬أمتلكُ‭ ‬معلومةً‭ ‬دقيقةً‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬المثقفين‭ ‬والأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬الذين‭ ‬أقدموا‭ ‬على‭ ‬الترشيح‭ ‬إلى‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني؛‭ ‬والذي‭ ‬اقترحهُ‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي؛‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬عددهم‭ ‬فاق‭ ‬المئات،‭ ‬وبعضهم‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬المقربين‭ ‬لي‭ ‬شخصيَّاً،‭ ‬وقد‭ ‬تركتهم‭ ‬بأحلامهم‭ ‬وطموحاتهم؛‭ ‬ولم‭ ‬أشأ‭ ‬تعكير‭ ‬صفو‭ ‬تطلعاتهم‭ ‬وإخبارهم‭ ‬بأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الذي‭ ‬تكالب‭ ‬عليه‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الطامحين‭ ‬بالحقائب‭ ‬الوزارية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬زوبعة‭ ‬في‭ ‬فنجان،‭ ‬وتجميل‭ ‬سياسي‭ ‬مُبكّر‭ ‬لشخص‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء،‭ ‬والبرهان‭ ‬أنَّ‭ ‬قائمة‭ ‬الوزراء‭ ‬التي‭ ‬تقدَّم‭ ‬بها‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬قد‭ ‬خلتْ‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مرشح‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬أسماء‭ ‬الوزراء‭ ‬المقترَحين‭ ‬جاءت‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬توافقات‭ ‬سياسية؛‭ ‬وقد‭ ‬كُتبَ‭ ‬لبعضها‭ ‬النجاح‭ ‬بتسنّم‭ ‬الوزارات،‭ ‬وأخفقتْ‭ ‬باقي‭ ‬الأسماء‭ ‬بطريقة‭ ‬دراماتيكية،‭ ‬ومنها‭ ‬الأخ‭ ‬الكريم‭ ‬حسن‭ ‬الربيعي‭ ‬الذي‭ ‬رشُّح‭ ‬إلى‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة؛‭ ‬إذْ‭ ‬كان‭ ‬نبأ‭ ‬نشر‭ ‬اسمه‭ ‬على‭ ‬الفضائيات‭ ‬قبل‭ ‬عقد‭ ‬جلسة‭ ‬مجلس‭ ‬النوّاب،‭ ‬قد‭ ‬شكَّلَ‭ ‬صدمة‭ ‬عنيفة‭ ‬للوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬بأكمله؛‭ ‬فلا‭ ‬أحدٌ‭ ‬سمع‭ ‬باسمه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مع‭ ‬احترامنا‭ ‬لشخصه‭ ‬الكريم،‭ ‬وحين‭ ‬طالعنا‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية،‭ ‬استوقفتنا‭ ‬معلومة‭ ‬تقول‭ ‬إنَّهُ‭ ‬أنجز‭ ‬61‭ ‬بحثاً‭!‬؟‭ ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬بماذا‭ ‬تخصَّصتْ‭ ‬تلك‭ ‬البحوث،‭ ‬وهل‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالأدب‭ ‬والفن‭ ‬والثقافة؟‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الذي‭ ‬أجمع‭ ‬عليه‭ ‬جميع‭ ‬المثقفين،‭ ‬إنَّ‭ ‬الرجل‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬الثقافية‭ ‬والأدبية‭ ‬ويجهل‭ ‬أحوال‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬والصحفي‭ ‬وأفراده،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬ترشيح‭ ‬الربيعي‭ ‬لحقيبة‭ ‬الثقافة‭ ‬قد‭ ‬أذهل‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي،‭ ‬فإنَّ‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬ومتى‭ ‬تبوّأ‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً،‭ ‬مَنْ‭ ‬كان‭ ‬مؤهلا‭ ‬لها،‭ ‬فالماضي‭ ‬يذكّرنا‭ ‬بزمن‭ ‬الطاغية،‭ ‬إذْ‭ ‬لم‭ ‬يتسنّم‭ ‬حقيبة‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬جديراً‭ ‬بها،‭ ‬وبعد‭ ‬سقوط‭ ‬الصنم‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬يستحقها‭ ‬أيضاً؛‭ ‬إلاّ‭ ‬اللهم‭ ‬الأخ‭ ‬مفيد‭ ‬الجزائري،‭ ‬وفرياد‭ ‬راوندوزي‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬ما،‭ ‬ولذا‭ ‬ليس‭ ‬عجباً‭ ‬أنْ‭ ‬يأتي‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬بشخصٍ‭ ‬لا‭ ‬تربطه‭ ‬بالأدب‭ ‬والفن‭ ‬أية‭ ‬صلة،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يتَّصفُ‭ ‬به‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬التيار‭ ‬الصدري،‭ ‬ثم‭ ‬انقلب‭ ‬إلى‭ ‬عصائب‭ ‬أهل‭ ‬الحق،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬إنَّ‭ ‬اختياره‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬توجّهات‭ ‬سياسية‭ ‬خالصة؛‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الكفاءة،‭ ‬ولولا‭ ‬احتجاج‭ ‬تحالف‭ ‬سائرون‭ ‬الصريح؛‭ ‬لكان‭ ‬الأخ‭ ‬الربيعي‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬الآن‭. ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬الفأس‭ ‬بالرأس،‭ ‬ننتظر‭ ‬مبادرة‭ ‬جادة‭ ‬لا‭ ‬تهاون‭ ‬فيها؛‭ ‬من‭ ‬نقابة‭ ‬الصحفيين‭ ‬والفنانين‭ ‬واتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬خاصة؛‭ ‬مسنودة‭ ‬بالآلاف‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬الهامة؛‭ ‬على‭ ‬إيصال‭ ‬صوتها‭ ‬الواثق‭ ‬إلى‭ ‬الأخ‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بضرورة‭ ‬ترشيح‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬جدير‭ ‬بالأدب‭ ‬والفن‭ ‬والصحافة‭ ‬لتسنّم‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬وما‭ ‬أكثرهم‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬فالبلاد‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬والأدب‭ ‬والصحافة،‭ ‬تبقى‭ ‬بلا‭ ‬روح‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬إذ‭ ‬بوسع‭ ‬الحكومة‭ ‬شراء‭ ‬وصناعة‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬من‭ ‬معدّات‭ ‬عسكرية‭ ‬واقتصادية؛‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بمقدورها‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬أديب‭ ‬أو‭ ‬صحفي‭ ‬أو‭ ‬فنان‭ ‬واحد‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تمتلك‭ ‬من‭ ‬ثروة‭ ‬البلاد،‭ ‬وأني‭ ‬لأعجب‭ ‬للنظرة‭ ‬الدونية‭ ‬والاستخفاف‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأحزاب‭ ‬بحقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬تلك‭ ‬الحقيبة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬مقدَّمة‭ ‬الأمم‭ ‬حين‭ ‬تسنم‭ ‬حقيبتها‭ ‬الروائي‭ ‬الشهير‭ ‬أندريه‭ ‬مالرو؛‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬عليه‭ ‬صديقه‭ ‬الرئيس‭ ‬وزارة‭ ‬سيادية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬حكومته‭.. ‬لكنَّ‭ ‬مالرو‭ ‬رفضها‭ ‬واختار‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬قائلاً‭ ‬لديغول‭ ‬المندهش‭ ‬لهذا‭ ‬الاختيار‭:‬‭ ‬إنَّ‭ ‬عقل‭ ‬فرنسا‭ ‬أصبح‭ ‬بين‭ ‬يدي‭!‬‭ ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬الراقي‭ ‬بقيمة‭ ‬الثقافة،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬عقل‭ ‬الأمة؛‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬مالرو‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬ملكات‭ ‬المواطن‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وتحريره‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬ثقافة‭ ‬الحرب،‭ ‬وإفرازاتها‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬الفكري،‭ ‬والاحتقان‭ ‬الاجتماعي‭..‬؛‭ ‬مما‭ ‬دفعه‭ ‬لبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة،‭ ‬بسخاء‭ ‬في‭ ‬الصرف‭ ‬على‭ ‬البرامج‭ ‬الثقافية،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الوطنية،‭ ‬الموصولة‭ ‬بمبادئ‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬الفردية،‭ ‬والمساواة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتواصل‭ ‬الإنساني‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تحسس‭ ‬أندريه‭ ‬مالرو‭ ‬دوره‭ ‬التاريخي،‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬هوية‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجربتها‭ ‬الثقافية‭ ‬الباهرة،‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يشيرون‭ ‬إلى‭ ‬الإبداع‭ ‬الفرنسي،‭ ‬بوصفه‭ ‬مصدراً‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬قوة‭ ‬فرنسا‭. ‬لقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬نرى‭ ‬أديباً‭ ‬مبدعاً‭ ‬يتسنّم‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬وحين‭ ‬يصبح‭ ‬عقل‭ ‬العراق‭ ‬بين‭ ‬يديه،‭ ‬سيلمس‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬برمته‭ ‬الازدهار‭ ‬والتطور‭ ‬الذي‭ ‬سترفل‭ ‬فيه‭ ‬البلاد‭ ‬خلال‭ ‬مدة‭ ‬وجيزة،‭ ‬أجل‭ ‬يا‭ ‬سيادة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬جرّب‭ ‬أنْ‭ ‬تسمع‭ ‬رأينا‭ ‬لمرَّةٍ‭ ‬واحدةٍ‭ ‬فقط‭ ‬وستربح‭ ‬الرهان‭ ‬أمام‭ ‬الشعب‭ ‬والعالم‭.‬