إزالة الركام يدوياً في غزة… أعمال شاقة لطلب الرزق
ويستغرق العمل في إزالة الركام والكتل الاسمنتية الضخمة الكثير من الوقت، حيث يبدأ العمال بالطرق عليها ضربات متتالية حتى يتم تفتيتها، واستخراج أسياخ الحديد منها، وتجهيز الأكوام المفتتة لنقلها إلى البحر أو إلى أماكن أخرى. وعلى الرغم من الصعوبة البالغة أمام العمال في إزالة الركام الذي يقدر حجمه بما يزيد عن 60 مليون طن وفق إحصائية نشرها “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” في الذكرى الثالثة للحرب، إلا أنهم باتوا مجبرين على العمل في ظل انعدام الفرص وتضاعف مستويات الفقر والبطالة، والارتفاع الشديد في أسعار السلع الأساسية وفي مقدمتها المواد الغذائية.
في الجهة المقابلة، يرغب أصحاب المنشآت والبيوت المدمرة في إزالة الركام بهدف استغلال الأرض لإنشاء الخيام أو للسكن، خاصة في ظل الأسعار الخيالية للايجارات، التي تصل إلى ما يزيد عن ألف دولار للشقة الواحدة شهرياً. ويرجع الغلاء إلى ندرة الشقق المعروضة للإيجار، بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 80% من مباني القطاع. وحسب تقرير سابق لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استهدف الاحتلال الإسرائيلي تدمير المركبات الثقيلة في جميع أنحاء غزة، ما أدى إلى توقف خدمات إزالة النفايات الصلبة والأنقاض.
فريق مكون من 12 فرداً
وعن عمله المرهق، يقول الفلسطيني رشدي عرفات (33 عاماً)، لـ”العربي الجديد”، إن ساعات العمل تبدأ مبكراً قبل اشتداد الشمس، ويبدأ برفقة فريقه المكون من 12 فرداً بتوزيع الأدوار، حيث تقوم مجموعة بتفتيت الصخور، والأخرى بنقلها، وبعد ذلك يتبادلون الأدوار لضمان استمرار العمل. ويوضح عرفات أنه تم ابتكار هذه المهنة خلال الحرب، وقد بدأ فريقه في العمل بعد عودة النازحين إلى مناطقهم السكنية مطلع عام 2025، وكان العمل يقتصر على تنظيف البيوت المدمرة جزئياً، وفتح الطرق المؤدية إليها.
ويضيف: “توسع العمل بعد ذلك ليشمل البيوت المدمرة، في بداية الأمر، كانت الفكرة خيالية وكنا نعتقد أنه من المستحيل تطبيقها من دون معدات ثقيلة، ولكن بعد البدء في تطبيقها، تمكننا من إزالة ركام بعض البيوت، ولكن بصعوبة بالغة جداً”. ويبين عرفات أن مهمة إزالة الركام يدوياً شاقة وتستغرق الكثير من الوقت والجهد، حيث تتطلب إزالة طابق واحد من البناية قرابة نصف شهر من العمل المتواصل للفريق بواقع ساعات عمل طويلة، تمتد من الساعة السابعة صباحاً، حتى الخامسة مساء.
وعلى الرغم من التكلفة المرتفعة لإزالة الركام يدوياً، إلا أن العمال لا يحصلون سوى على أجر زهيد، وتتوزع التكلفة على الأعداد الكبيرة المشاركة في عملية الإزالة، حيث يتشارك قرابة 15 عاملاً في المهمة، يعملون كخلية نحل متكاملة الأدوار، يفتت بعضهم الكتل الخرسانية ويستخرج بعضهم الحديد، بينما ينقل البعض الآخر الطوب المفتت لإتاحة المجال للحركة ومواصلة العمل.
اتساع حجم الدمار
يقول الفلسطيني صهيب راتب (36 عاماً)، ويعمل على رأس فريق مكون من خمسة عشر عاملاً، إن فكرة إزالة الركام يدوياً بدأت مع اتساع حجم الدمار وعدم وجود مساحات للإيواء، وهو ما اضطر أصحاب البيوت والمباني إلى إزالتها بأبسط الإمكانات. ويوضح راتب لـ”العربي الجديد” أن العمل في إزالة الركام من دون معدات ثقيلة يعتبر أمراً في غاية الصعوبة والخطورة، إلا أنه اضطر إلى العمل في هذه المهنة برفقة زملائه نتيجة تراجع فرص العمل، وعدم وجود أي مصدر دخل يمكنهم من توفير متطلبات أسرهم.
ويقول: “نبدأ العمل مبكراً، ونشعر بالكثير من الإرهاق، لكننا لا نمتلك أي خيار آخر سوى المواصلة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وشح المساعدات الإنسانية، لكننا في الوقت نفسه، وعلى الرغم من التعب الشديد، نشعر بسعادة بالغة بعد انتهاء المهمة، التي تمنح أصحاب الأرض العودة للسكن وإعادة الإعمار، بدلاً من مشاهد الركام والدمار المقيتة”.
ويواصل العمال إزالة الركام وسط الغبار الكثيف وأكوام الحديد الملتوية، والكتل الخرسانية الضخمة، في واحدة من أكثر المهن خطورة ومشقة، بينما لا يمتلكون أدوات العمل التي من شأنها مساعدتهم، باستثناء بعض الأدوات الكهربائية البسيطة مثل “الباقر اليدوي الصغير”، أو أقراص القطع، وهي غير متوفرة دائماً بسبب انقطاع الكهرباء، والارتفاع الشديد في أسعار الكهرباء البديلة، وهو ما يعني أن الاعتماد على الجهد البدني هو الأساس.
العمل الشاق لا يتناسب مع الأجور
في الإطار نفسه، يشير العامل سائد صبيح (28 عاماً) إلى أن مجموعات إزالة الركام تضم أشخاصاً فقدوا مهنهم الأصلية ومصادر رزقهم الأساسية بعد أن تسببت الحرب في تدمير محالهم التجارية أو بسطاتهم، أو ورشهم ومواقع عملهم، ويقول: “بعضهم كان يعمل في مجال النجارة أو الحدادة أو قطاع الإنشاءات أو في الفنادق والمطاعم التي تم تدميرها، وهو ما دفعهم للعمل في هذه المهنة الشاقة”.
ويبين صبيح الذي يعيل أسرة مكونة من خمسة أفراد أن العمل الشاق لا يتناسب مع الأجور التي يحصل عليها العمال، حيث تتراوح الأجور من 25 إلى 30 دولاراً في اليوم، وهو أجر لا يمكن مقارنته بساعات العمل الطويلة والشاقة، التي تصل إلى قرابة عشر ساعات يومياً. ويجد هؤلاء العمال أنفسهم مضطرين إلى العمل في هذه المهنة القاسية في قطاع أنهكته الحرب والجوع والحرمان وغاب فيه الأفق، وقد دفعهم انعدام البدائل إلى مواصلة العمل في مهنة مرهقة لا تضمن سلامتهم، مقابل أجر زهيد بالكاد يمكنهم من توفير أبسط مقومات الحياة لأسرهم.