من المعارضة الى المحاصصة والتوريث

مقالات 02 November 2026
بقلم:جواد العطار

لم تبدأ ازمة النخبة السياسية في العراق بعد عام ٢٠٠٣ ، بل تعود جذورها الى مرحلة المعارضة في الخارج ، حين بدأت القوى السياسية تستعد لمرحلة ما بعد النظام السابق ، في ظل تفاهمات ورعاية امريكية سبقت الاحتلال. وكان مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في كانون الاول ٢٠٠٢ احدى المحطات التي عكست ملامح تلك المرحلة ، قبل ان تنتقل قيادات المعارضة الى مواقع السلطة بعد سقوط النظام ، وتشارك في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بقرار من سلطة الاحتلال الامريكي.

  • لكن الانتقال من المعارضة الى الحكم لم يكن انتقالا مستندا الى ثقافة الدولة والمؤسسات ، اذ سرعان ما تحولت صيغة التمثيل السياسي الى نظام لتقاسم النفوذ والمواقع. وظهرت المحاصصة بأشكال متعددة ، طائفية وقومية ومناطقية وحزبية وحتى شخصية ، واصبحت الوزارات والمؤسسات والمناصب العامة في كثير من الاحيان موضوعا للتفاوض والصفقات وما يسمى «السلة الواحدة» بين القوى السياسية ، بدلا من ان تكون مسؤوليات وطنية تخضع لمعايير الكفاءة والمواطنة.
  • وقد تناولت دراسات غربية هذا الموضوع باهتمام بالغ ، منها دراسة «الفساد المحمي سياسيا ومعوقات الاصلاح في العراق» الصادرة عام ٢٠٢١ عن المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) في بريطانيا ، للباحثين ريناد منصور وتوبي دودج ، تناولت الدراسة هذه الظاهرة موضحة كيف تحولت ترتيبات تقاسم السلطة الى منظومة نفوذ للاحزاب داخل مؤسسات الدولة. كما تناول تقرير «من هي النخب في العراق وكيف تمارس نفوذها؟» للباحثة سيان هربرت ، الصادر عام ٢٠١٨ عن معهد دراسات التنمية البريطاني ، طبيعة النخب السياسية العراقية وآليات نفوذها بعد عام ٢٠٠٣.
  • غير ان المحاصصة لم تقتصر على الاحزاب والمكونات ، بل اخذت تتجه نحو دوائر اضيق واضيق ، لتظهر ملامح المحاصصة الشخصية والعائلية من خلال توسيع النفوذ ليشمل الاقارب والمقربين ، وتداخل العلاقات العائلية مع المواقع العامة ومراكز القرار. وبذلك لم تعد المشكلة مقتصرة على تقاسم السلطة بين القوى السياسية ، بل امتدت الى اعادة انتاج النفوذ داخل الدوائر المرتبطة بها ، بما يثير تساؤلات جدية عن تكافؤ الفرص ومعايير الاختيار واستقلال مؤسسات الدولة.
  • وهنا تبرز خطورة التحول من المحاصصة السياسية الى ما يمكن وصفه بالكانتونات العائلية داخل السلطة؛ إذ يصبح الموقع العام في بعض الحالات امتدادا لشبكة العلاقات الشخصية والعائلية ، بدلا من ان يكون مسؤولية وطنية مفتوحة امام المواطنين وفق معايير الكفاءة والاستحقاق.
  • ان النخبة التي انتقلت من المعارضة الى الحكم تحت عناوين التغيير والديمقراطية مطالبة اليوم بمراجعة تجربتها ، والاقرار بأن الديمقراطية ليست وسيلة لاعادة انتاج الاشخاص والدوائر ذاتها ولا لتوريث النفوذ والمواقع ، وانما هي تداول سلمي للسلطة اولا ، تجديد للقيادات ثانيا ، اتاحة الفرصة للأكفأ والأقدر على ادارة الدولة ثالثا ، والالتزام بالقانون والدستور رابعا.
  • فالدولة ليست ملكا للاحزاب او المكونات او العائلات ، ومؤسساتها ليست إرثا سياسيا تتناقله النخب فيما بينها. 
  • ان الفرق كبير بين تداول السلطة واعادة تدويرها ، وبين الديمقراطية والاستئثار؛ فالعراق بحاجة الى دولة مؤسسات ومواطنة ، لا الى كانتونات نفوذ تتسع فيها دائرة المحاصصة من الحزب الى العائلة.


الوسوم: جواد العطار