مملكة الدمج
ألقي إلي كتابٌ وفيه:سعى بنا (الدمج ) إلى مالايُحمدُ عُقباه، حتى قيلَ عن الشريف(لِصٌ) ، وعن اللص( شريفٌ) ، فماذا عندك (يابُهلول)؟!
ج/ عندما تتحدث - عزيزي القارئ- عن (مصطلح الدمج)، يذهبُ انتباه الناس إلى نوعٍ واحدٍ من (الدمج)، وما دروا أنها (مملكة مترامية الأطراف) تعيش في عقولنا ، وتنخر في شعوبنا ، وأول مايتبادر إلى أذهان الناس ، انك تعني : من قفز من الأسفل إلى أعلى ، بقدرة قادر!، ووضعتْهُ الكُفوف فوق الأبراج والحظوظ، وصار هو من يسأل الناس من أين لك هذا؟ ، وماهي مؤهلاتك الرصينة؟ ، وهذا السلوك اخترتُ أن اسميه (الدمج القطعي) وتعريفي له (أجراء عملية فاشلة والتستر عليها ،ثم الكشف عنها عندما يموت المريض!) ، ولكن الحقيقة أثبتتْ لي أننا نمارس (الدمج) الأخطر منذ عهود بعيدة بطريقة لاشعورية معتادة ، وهذا اخترتُ أن اسميه: (الدمج الأمي)، فالأمية هي الأخرى مصطلحٌ فضفاض علي أن أمر به ، وأفككُ من عقدته مالم يُفككْ من قبل ، ففي مفهوم ِالأمية نحن ركزنا على وجه واحد دون المرور على الوجوه الأخرى ، ودَرَجَ المنظرون من قبلي على أن الأمية (عاهة) واحدة في كُلّ زمان ومكان ، ولكني وجدتها عدة طبقات: أمية الحرف ، أمية المعنى ، وهنالك أمية ثالثة ابتكرها لنا (مصطلح الدمج): هي أمية الحرف والمعنى"أم تحسبُ أنَّ أكثرهم يسمعونَ أو يعقلونَ إن هم إلاّ كالأنعامِ بل هُمْ أضلُّ سبيلا"(الفُرقان:44) ، ومنذ ظُهور (مصطلح الدمج )إلى يومنا هذا، ونحنُ نُركزُ على أمية الحرف ونتجاهل أمية المعنى، لذلك تغوّل (مصطلح الدمج) معنويا وسلوكيا حتى بسط سيطرته على معظم الأبواب التي تغذي العقول ، وتفتح لها بوابات تهوية جديدة مما استهلك سابقا وصار من (المجْتَرّات الفانية) ، فالابتكار في مجال علم الاقتصاد والنفس ، والاجتماع ، والأدب و00الخ لايمكن للفتى أن يقرأه مالم يكن متحررا من أميتي الحرف والمعنى ، ليستطيع أن يتعقبَ (أمية الدمج) ليصل إلى حواضنها الأولى ومناشئ نموها وترعرعها 00 إن معظم مقدرات عقولنا الهابطة منذ قرون بعيدة قامت على فكرة (أمية الدمج) تقديم الشهادة على الموهبة ، والمحاولة على الخبرة ، والغباء على الشك ، والشك على الحقيقة ، ( فالمازني ، والعقاد ، وشعراء الحوليات وغيرهم من الذين صنعوا لنا المعجزات في الأدب والجمال) منحتهم الخبرةُ شهادة ، ومنحتهم التجربة موهبة ، فلم يمروا بمرحلة ( الدمج المؤسساتي لا من بعيد ، ولا من قريب) ، فمن حباه الله (بالموهبة) من الصعب أن تدمجه بميزة ، أو راتب ، أو مؤهلات وضعية ترفّع عنها بقدراته الخارقية!، فما يعنيكَ في قاموسكَ ، قلما يعنيه (في عالم ملكوته العجيب!) ، وهذا المعنى نَظَر فيه القرآن ودللَ عليه كثيرا :0 (00الله اعلم حيث يجعل رسالته00)(أنعام:124) ( إنَّ شانئكَ هو الأبتر)(الكوثر:3)"أأنتم تخلُقونَه أم نحنُ الخالقونْ"(واقعة :59)( 00 الخ ، قال المتنبي :
ذو العقلِ يشقى في النعيم بعقله
واخو الجهالة ِ في الشقاوةِ ينعُمُ
وقال أبو العلاء :
ولمّا رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشيا
تجاهلْتُ حتى ظُن أنيَ جاهلُ
إن عدم قُدرتنا على تشخيص من هم (فرسان المعنى) ، ومن هم (فرسان السرقات) ، هو ماجعلَ (أبا فراس الحمداني) يتحامل للزج بالمتنبي وإدخاله في (تهمة السرقة) عندما وصل المتنبي إلى قوله من ميميته الشهيرة:
يااعدلَ الناس إلاّ في معاملتي
فيكَ الخِصامُ ، وأنتَ الخصمُ والحكمُ
على انه مسروقٌ من قولِ دعبل:
ولستُ أرجو انتصافاً منكَ ماذرُفت ْ
عيني دُمُوعا ، وأنتَ الخصمُ والحكمُ
ففي رؤيا (العقل الدمج) يرى أن المتنبي سرق المعنى من (دعبل) ، وفي رؤيا (العقل المتحرر) ، فإن( المتنبي) ، مبتكر ، ومتحدً لقول (دعبل) ، واستطاع أن يكسر الرقم القياسي الذي وصله دعبل إلى ماهو أبعدُ من ذلك، فلماذا نقبل هذا الطرح في الرياضة ولا نقبله في الأدب؟!00 وقد اكتشفتُ أن (العقل العربي) من اخطر العقول التي تمارس(ظاهرة الدمج اللاشعوري)، فإذا عاش في (حضيرة الغرب) ، انتعش وأبدع ، وإذا أعيد إلى ماكان عليه ، هبط ومارس (عقدة مغنية الحي لاتطرب)00 ومن الغباء علينا أن نسمع (صوت الدمج)من إذاعة صوت الدمج ، ولا نسمعه من أفواه المعذبين!000