إلى الجهات المختصة في العراق: نطالب بنشر نتائج معالجة التلوث الإشعاعي في قرية الدولاب بمحافظة بابل

مقالات 27 October 2026
بقلم:الناشط البيئي صباح هلال حسين الخزاعي

تُعدّ حماية الإنسان والبيئة من مخاطر التلوث الإشعاعي مسؤولية وطنية وإنسانية لا تحتمل التأجيل أو الغموض، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بموقع يقع بالقرب من مناطق سكنية أو أراضٍ زراعية. وفي ضوء التقارير المتداولة بشأن وجود حاويات تحمل علامات التحذير الإشعاعي في منطقة الدولاب بمحافظة بابل، وما نُشر عن تنفيذ أعمال للتوصيف الإشعاعي وإزالة التلوث في الموقع، فإن من الضروري التعامل مع هذه القضية بأعلى درجات الجدية والشفافية.

إن أي إجراء حكومي لمعالجة التلوث الإشعاعي يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكتسب قيمته الكاملة إلا إذا استند إلى فحوص علمية دقيقة ونتائج موثقة يمكن مراجعتها والتحقق منها. فمجرد نقل الحاويات أو الإعلان عن انتهاء أعمال المعالجة لا يكفي وحده لإثبات خلو الموقع من الخطر، ما لم تُنشر نتائج القياسات النهائية وتُوضح الإجراءات التي اتُّخذت لضمان سلامة السكان والبيئة.

ومن هذا المنطلق، نطالب الجهات المختصة، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبايولوجية، وهيئة الطاقة الذرية، ووزارة البيئة، بالإعلان عن تفاصيل الإجراءات المتخذة في الموقع، وبيان ما يأتي:

1. تحديد طبيعة المواد المشعة: الكشف عن النظائر التي أثبتتها الفحوص المختبرية، وبيان ما إذا كان السيزيوم-137 موجوداً فعلاً، مع توضيح طبيعة المواد ومصدرها، بما لا يتعارض مع متطلبات الأمن والسلامة الإشعاعية.

2. نشر نتائج القياسات الإشعاعية: إعلان نتائج المسح الإشعاعي الذي أُجري قبل المعالجة وبعدها، وتحديد المناطق التي شملتها القياسات، وبيان مستويات الإشعاع المسجلة ومدى مطابقتها للمعايير الوطنية والدولية المعتمدة.

3. توضيح مصير الحاويات والنفايات: الكشف عن عدد الحاويات وكميات المواد التي جرى التعامل معها، وبيان الجهة أو الموقع الذي نُقلت إليه، والإجراءات المتخذة لضمان تخزينها أو التخلص منها بصورة آمنة ومرخصة.

4. فحص المناطق المحيطة: إجراء تقييم شامل للتربة والمياه ومواد البناء، عند وجود مؤشرات تستدعي ذلك، ولا سيما في المناطق القريبة من الموقع، مع تقدير احتمالات تعرض السكان والعاملين لأي جرعات إشعاعية.

5. إعلان نتيجة التحقق النهائي: نشر تقرير فني واضح يبيّن ما إذا كانت أعمال المعالجة قد اكتملت، وما إذا كان الموقع آمناً للاستخدام المقصود، وما إذا كانت هناك حاجة إلى استمرار المراقبة أو فرض قيود مؤقتة على استخدامه.

6. تحديد المسؤوليات القانونية: فتح تحقيق مهني وقانوني لتحديد مصدر المواد وآلية حيازتها وتخزينها ونقلها، والكشف عن أي مخالفة أو تقصير تثبته الأدلة، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق المسؤولين عنها.

7. تعزيز منظومة الرقابة الوقائية: مراجعة آليات تتبع المصادر المشعة والنفايات الخطرة في العراق، وتطوير إجراءات الإبلاغ والتفتيش والاستجابة للحوادث، بما يمنع تكرار مثل هذه الحالات ويحمي المواطنين من المخاطر المحتملة.

إن المطالبة بنشر هذه المعلومات لا تهدف إلى إثارة الخوف أو توجيه اتهامات مسبقة، بل إلى ضمان أن تستند القرارات المتعلقة بصحة المواطنين وسلامة البيئة إلى العلم والشفافية والمساءلة. فالمواطن من حقه أن يعرف حقيقة ما جرى في منطقته، وأن يطمئن إلى أن الجهات المختصة تعاملت مع المواد الخطرة وفق الإجراءات العلمية والقانونية المعتمدة.

كما نؤكد أن وجود علامة التحذير الإشعاعي على الحاويات لا يكفي وحده لتحديد نوع المادة الموجودة داخلها أو مستوى خطورتها، إذ إن ذلك لا يُحسم إلا من خلال الفحوص المختبرية والقياسات الميدانية التي تجريها جهات متخصصة ومستقلة. وبالمثل، فإن تأكيد زوال التلوث يتطلب مقارنة واضحة بين نتائج القياسات قبل المعالجة وبعدها، مع استمرار المراقبة عند الحاجة.

إن سلامة المواطنين ليست موضع اجتهاد، والشفافية في القضايا البيئية والصحية ليست خياراً ثانوياً، بل هي أساس لتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ومن هنا، نأمل من الجهات المعنية نشر تقرير فني متكامل عن أعمال المعالجة في قرية الدولاب بمحافظة بابل، يتضمن طبيعة المواد المكتشفة، ونتائج الفحوص، ومصير الحاويات، ودرجة سلامة الموقع بعد انتهاء الإجراءات.

إن معالجة هذه القضية بصورة مهنية وعلنية لا تحمي سكان المنطقة فحسب، بل تمثل أيضاً فرصة لتعزيز منظومة الحماية الإشعاعية في العراق، وترسيخ مبدأ الوقاية، وضمان عدم تكرار حوادث مماثلة في المستقبل.