الشخصية القانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي في القانون العراقي
تُعد الشخصية القانونية من المفاهيم التي تكشف الصلة بين القانون والفلسفة، لأنها لا ترتبط بمجرد وجود الكيان في الواقع، بل باعتراف القانون بهذا الوجود وترتيب الآثار عليه. فالوجود الواقعي لا يعني بالضرورة وجوداً قانونياً، بدليل أن القانون يعترف للشركات والمؤسسات بالشخصية رغم افتقارها إلى الوعي والإرادة الإنسانية. ومن هنا يثار التساؤل بشأن أنظمة الذكاء الاصطناعي: هل تظل مجرد أدوات مهما بلغت قدرتها على التعلم والاستقلال، أم أن تطورها قد يبرر الاعتراف لها مستقبلاً بمركز قانوني خاص؟
ففي القانون العراقي لا تتمتع أنظمة الذكاء الاصطناعي حاليا بشخصية قانونية مستقلة، لأن الاعتراف بالشخصية بالنسبة إلى غير الإنسان يظل من اختصاص المشرع، حتى عند إمعان النظر في نص المادة (47) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951، يتضح عدم إمكان الاستناد إليها لمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية. فقد نصت الفقرة (ح) منها على أن الأشخاص المعنوية تشمل (كل مجموعة من الأشخاص أو الأموال يمنحها القانون شخصية معنوية)، وهو ما يدل على أن اكتساب الشخصية لا يتحقق بمجرد توافر الاستقلال أو القدرة على اتخاذ القرار، وإنما يتطلب اعترافاً تشريعياً صريحاً. وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تُعد، بحسب القانون النافذ، شخصاً طبيعياً أو معنوياً، ولا تدخل بذاتها ضمن مفهوم مجموعة الأشخاص أو الأموال المشار إليها في المادة، فلا يمكن التوسع في تفسير هذا النص لإضفاء الشخصية القانونية عليها. ومن ثم، فإن منحها مثل هذه الشخصية يقتضي تدخلاً تشريعياً مستقلاً يحدد طبيعتها وشروط اكتسابها وحدود آثارها القانونية.
ولا ينبغي أن يرتبط الاعتراف المحتمل بشخصية أنظمة الذكاء الاصطناعي بمدى تشابهه مع الإنسان، لأن الشخصية القانونية لا تقوم دائما على الوعي أو الشعور. فالشخص المعنوي يتمتع بالشخصية دون أن يمتلك إرادة إنسانية مستقلة. لذلك يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الاعتراف لأنظمة الذكاء الاصطناعي بمركز قانوني مستقل يحقق فائدة في تنظيم الحقوق والمسؤوليات. والحل الأنسب هو تصور شخصية قانونية وظيفية محدودة لا تساوي النظام الذكي بالإنسان، وإنما تمنحه من الحقوق والالتزامات ما يتناسب مع الوظيفة التي يؤديها.
كما أن منح الشخصية لجميع أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو منطقياً، نظراً لاختلاف درجات استقلالها. فالبرنامج البسيط الذي ينفذ أوامر المستخدم لا يمكن معاملته كنظام يتعلم ويتخذ قرارات بصورة مستقلة نسبيا. ومن ثم يمكن أن يرتبط الاعتراف بدرجة الاستقلال وطبيعة النشاط وحجم المخاطر وإمكانية تحديد هوية النظام. غير أن هذه المعايير لا ينبغي أن تنشئ الشخصية بصورة تلقائية، بل يجب أن يظل الاعتراف بها قرارا تشريعيا يتم وفق إجراءات محددة.
ويمكن في هذا الإطار إنشاء سجل خاص للأنظمة الذكية التي تستوفي شروطا معينة بحيث تخضع قبل تسجيلها لتقييم فني وقانوني، ويكون التسجيل هو المنشئ للشخصية. وهذا الحل يحقق التوازن بين الاعتراف بالتطور التقني والمحافظة على سلطة القانون في تحديد الأشخاص الذين يمكنهم اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات. وتظهر إشكالية أخرى في تحديد محل هذه الشخصية، فأنظمة الذكاء الاصطناعي قد لا يرتبط بجهاز واحد، بل يعمل عبر شبكات ومنصات وأجهزة متعددة. لذلك فإن ربط الشخصية بالجهاز المادي لا يصلح لجميع الحالات. والأدق أن ترتبط الشخصية بالنظام الذكي ذاته متى أمكن تحديد هويته التقنية والقانونية بصورة مستقلة، مع وضع قواعد تحدد أثر التحديثات والتغييرات الجوهرية في استمرار هذه الهوية.
كما أن الاعتراف بالشخصية يفقد قيمته إذا لم يرتبط بالمسؤولية. فإذا مُنح النظام شخصية مستقلة دون وجود ذمة مالية أو ضمان يمكن الرجوع إليه، فقد تتحول الشخصية إلى وسيلة لإعفاء المطور أو المالك من المسؤولية. ولذلك ينبغي أن تقترن أي شخصية مستقبلية بذمة مالية أو تأمين خاص، مع استمرار مسؤولية الإنسان متى كان الضرر مرتبطا بخطأ في التصميم أو التشغيل أو الرقابة. وبذلك تصبح الشخصية وسيلة لحماية المتضرر لا وسيلة للهروب من المسؤولية.
أما النصوص العراقية الحالية فلا تكفي، عن طريق التفسير أو القياس، لإنشاء هذا النوع الجديد من الشخصية، لأن الاعتراف بشخص قانوني جديد يرتب آثاراً تتعلق بالأهلية والمسؤولية والذمة المالية والتقاضي. ولذلك يتطلب الأمر تدخلا من قبل المشرع يحدد شروط الشخصية وحدودها ووقت بدايتها وانتهائها. ولا يبدو من الضروري إدخال تلك الأنظمة ضمن الأشخاص المعنوية التقليدية، لأن طبيعته تختلف عنها من حيث التكوين والاستقلال. والأقرب هو استحداث فئة خاصة تسمى الشخصية القانونية الوظيفية أو الإلكترونية، تكون محدودة بالأغراض التي أنشئت من أجلها ولا تمنح النظام حقوقا مرتبطة بالطبيعة الإنسانية.
وعليه، فإن مسألة الشخصية القانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتعلق بتحويل الآلة إلى إنسان، وإنما بتحديد موقعها في النظام القانوني. فالنظام الذكي قد يملك وجودا تقنينا مستقلًا، لكن وجوده القانوني يظل مرهونا باعتراف المشرع. ولذلك يكون الحل الأكثر اتزاناً هو عدم منحه شخصية عامة في الوقت الحاضر، مع إبقاء المجال مفتوحاً مستقبلًا لشخصية وظيفية محدودة تخضع للتسجيل والرقابة والضمان المالي، متى أصبحت القواعد القانونية التقليدية غير كافية لتنظيم نشاطه.