انتعاش اقتصاد الظل.. أموال خارج الرقابة في العراق
وتتجاوز تداعيات الظاهرة المشاريع غير المسجلة، لتشمل التهرّب الضريبي والجمركي والتعاملات غير الموثقة، فيما تثير الأنشطة المرتبطة بجهات نافذة مخاوف من استغلال بعض قنوات الاقتصاد غير الرسمي في التهريب وغسل الأموال، وسط تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الحكومية على ضبط حركة الأموال والتمييز بين الأنشطة المشروعة التي تحتاج إلى التنظيم وتلك التي تستوجب الملاحقة القانونية.
اتساع النشاط غير المنظم
بحسب أحدث البيانات لوزارة المالية العراقية، بلغت الإيرادات غير النفطية نحو 8.74 تريليونات دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بما يمثل نحو 22% من إجمالي الإيرادات العامة البالغة 39.09 تريليون دينار، مقابل نحو 30.36 تريليون دينار من الإيرادات النفطية، ما يعكس استمرار اعتماد المالية العامة على النفط، ويبرز أهمية توسيع القاعدة الإيرادية وتحسين التحصيل وتنظيم الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة.
تكشف مؤشرات سوق العمل اتساع النشاط غير المنظم، إذ أظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، استناداً إلى مسح القوى العاملة العراقي لعام 2021، أن نحو 5.73 ملايين شخص يعملون في وظائف غير رسمية، بما يمثل 66.6% من إجمالي العاملين، بينهم 4.72 ملايين يعملون في القطاع غير الرسمي، بينما يشغل الباقون وظائف غير منظمة داخل مؤسسات رسمية. ورغم أن هذه البيانات لا تحدد القيمة المالية لاقتصاد الظل، فإنها تكشف اتساع نطاق العمالة غير المنظمة في البلاد.
وكانت وزارة التخطيط العراقية قد أعلنت في أيلول 2023 تشكيل لجنة لمعالجة اقتصاد الظل، شملت مهامها دراسة النشاط غير المنظم، وتطوير النظام الضريبي، وإنشاء قواعد بيانات، وبحث العلاقة بين التهرب الضريبي وغسل الأموال، بمشاركة البنك المركزي وهيئة النزاهة ومكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وجهات حكومية أخرى.
تفكيك شبكات المصالح المستفيدة
يرى المتخصص في مكافحة الفساد سعيد ياسين أن معالجة اقتصاد الظل لا تقتصر على تسجيل المشاريع الصغيرة أو زيادة الضرائب، وإنما تتطلب تفكيك شبكات المصالح المستفيدة من بقاء أنشطة اقتصادية خارج الرقابة، والتحقيق في مصادر الأموال التي تدخل الأسواق دون مسارات مالية واضحة.
ويضيف أن المكاتب الاقتصادية تمثل أحد الملفات التي ينبغي إخضاعها للتحقيق والرقابة، خصوصاً ما يتعلق بتدخلها المحتمل في العقود الحكومية والمنافذ الحدودية وحركة الاستيراد والتجارة، بما قد يتيح، في حال ثبوت هذه الممارسات، تحقيق مكاسب مالية خارج الأطر القانونية.
ويشير إلى أن خطورة بعض قنوات اقتصاد الظل لا تكمن في الأموال المتداولة فحسب، بل في إمكانية استغلالها لإخفاء عائدات الفساد والتهريب وغسل الأموال، عبر شركات واجهة أو معاملات تجارية يصعب التحقق من قيمتها الحقيقية. وشدد ياسين على ضرورة الانتقال إلى منظومة متكاملة لتتبع الأموال، تشمل الكشف عن المستفيد الحقيقي من الشركات، وتدقيق العقود والصفقات عالية المخاطر، وربط قواعد البيانات الحكومية، وضمان استقلال الأجهزة الرقابية وحمايتها من الضغوط والتدخلات السياسية.
إيرادات ضائعة وإصلاحات معطلة
قال عضو مجلس النواب يوسف الكلابي إن اتساع الأنشطة الاقتصادية خارج الرقابة يمثل تحديا أمام جهود تعظيم الإيرادات غير النفطية، في ظل ثغرات إدارية ومالية تحول دون تحصيل جزء من الموارد المستحقة للدولة، مشيراً إلى أهمية معالجة هذا الخلل مع تزايد الضغوط على المالية العامة.
وأضاف الكلابي، أن مجلس النواب سبق أن وضع أكثر من 16 فقرة لتعظيم الإيرادات غير النفطية، لكن جزءاً منها لم يجد طريقه إلى التطبيق، ما يعكس تعثر الإصلاحات المالية، مشيراً إلى أن بعض القرارات والاستثناءات أضعفت القطاع الخاص الحقيقي، وفتحت المجال أمام مجموعات اقتصادية تستفيد من النفوذ والعلاقات على حساب المنافسة العادلة.
وأوضح أن غياب بيانات دقيقة عن حجم الأنشطة التجارية والإيرادات المستحقة يضعف قدرة المؤسسات الحكومية على إعداد تقديرات مالية واقعية وتقييم إجراءات زيادة الموارد غير النفطية، خصوصا مع تداخل الصلاحيات بين الجهات المسؤولة عن التحصيل والمتابعة.
وأكد الكلابي ضرورة معالجة الثغرات التي تعيق تطبيق القوانين، وتفعيل الرقابة البرلمانية على الإجراءات المالية، ومحاسبة الجهات المقصرة، وإنهاء الاستثناءات المخلة بتكافؤ الفرص، مشدداً على أن زيادة موارد الدولة تبدأ بتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات القائمة، بدلاً من فرض أعباء إضافية على المواطنين والتجار الملتزمين بالقانون.
مشاريع خارج الاقتصاد المنظم
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن اتساع اقتصاد الظل يرتبط ببيئة تجعل العمل خارج الأطر الرسمية أقل كلفة وأكثر مرونة لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في ظل تعقيد الإجراءات الإدارية وضعف الخدمات ومحدودية فرص التمويل، ما يجعل الانتقال إلى الاقتصاد المنظم عبئاً لا يقابله مردود اقتصادي واضح.
وأوضح الهاشمي أن استمرار الظاهرة يكرس نشاطاً اقتصادياً يصعب قياس حجمه وإنتاجيته، فيما تبقى مشاريع كثيرة محدودة القدرة على التوسع والاستثمار بسبب افتقارها إلى الوضع القانوني الذي يتيح الحصول على القروض والدخول في شراكات تجارية أكبر، ما يحد من قدرتها على خلق فرص عمل مستقرة.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق بالنشاط غير الرسمي وحده، وإنما بضعف قدرة الاقتصاد العراقي على تحويل المشاريع الفردية والعائلية إلى مؤسسات منتجة وقادرة على النمو، لافتاً إلى أن استمرار هذه الحالة يحرم السوق من فرص تطوير سلاسل الإنتاج والتوريد، ويحد من مساهمة المشاريع الصغيرة في تنويع النشاط الاقتصادي.
وأكد الهاشمي أن نجاح الإصلاح يتطلب حوافز اقتصادية للتسجيل الرسمي، تشمل تخفيض تكاليف تأسيس المشاريع، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتسهيل التمويل المصرفي، وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية، بما يجعل الانضمام إلى الاقتصاد المنظم فرصة للتوسع والنمو، بدلاً من اعتباره التزاماً ضريبياً أو إدارياً جديداً.