جراحة نقدية لترقيع العجز المالي.. خفض الدينار يغطي الإنفاق الحكومي ويتجاهل الإصلاح الهيكلي

تقارير 09 October 2026
تكشف خطوة رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار جانباً من الأزمة التي تواجه إدارة الاقتصاد العراقي، إذ تجد الحكومة نفسها أمام التزامات مالية متزايدة وإيرادات نفطية غير مستقرة، بينما تتجه المعالجات نحو توفير السيولة وتغطية الإنفاق بدلاً من معالجة الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، بالتزامن مع تداول تقديرات لموازنة 2027 تتضمن إنفاقاً يصل إلى 217 تريليون دينار وافتراضات مرتفعة بشأن الصادرات النفطية، وسط مخاوف من أن تتحول معالجة العجز إلى أعباء إضافية تتحملها الأسواق والمواطنون.

صدمة الأسواق

ويقول الخبير الاقتصادي سيف الحلفي، إن “رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار يمثل صدمة للأسواق العراقية، ويمنح المضاربين فرصة لاستغلال المخاوف ونشر الشائعات وتحقيق أرباح من التقلبات السعرية، لكن هذه الصدمات لا تستمر بالضرورة، إذ تتكيف الأسواق تدريجياً مع السعر الجديد، وتتراجع قدرة المضاربين على فرض أسعار بعيدة عن السعر الرسمي الذي يعتمده البنك المركزي”. 

ويضيف، أن “البنك المركزي تأخر كثيراً في اتخاذ الإجراءات المتعلقة بسعر الصرف، وكان ينبغي التحرك في وقت سابق لمواجهة الظروف الجيوسياسية المحيطة بالعراق والصعوبات التي تواجه تصدير النفط، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بصورة شبه كاملة على الدولار المتأتي من الإيرادات النفطية، بعدما أخفقت الحكومات المتعاقبة في تنويع مصادر الدخل وتوفير موارد دولارية بديلة”. 

وتعيد التطورات الأخيرة النقاش بشأن طبيعة المعالجات الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة، إذ يمكن لخفض قيمة الدينار أن يزيد الإيرادات النفطية المحتسبة بالعملة المحلية دون زيادة فعلية في كميات النفط المصدرة أو حصيلة مبيعاته بالدولار، وهو ما يمنح الخزينة مساحة مالية إضافية لتغطية جزء من الإنفاق، لكنه لا يعالج بمفرده ضعف الإنتاج المحلي أو الاعتماد على الاستيراد، بل قد يرفع كلفة السلع والخدمات ويقلص القوة الشرائية للدخول الثابتة.

وتزداد خطورة هذا المسار، وفق خبراء، مع اقتراب إعداد موازنة 2027، في ظل استمرار الالتزامات المتعلقة برواتب الموظفين والمتقاعدين والإنفاق التشغيلي ومستحقات المقاولين والمزارعين، إلى جانب الحاجة إلى تمويل المشاريع الاستثمارية، ما يجعل أي تغيير في سعر الصرف مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرة الحكومة على إدارة مواردها والتزاماتها المالية خلال المرحلة المقبلة.

وفي السابع من تشرين الأول الجاري، أعلن البنك المركزي العراقي تعديل سعر الصرف رسمياً، ليصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية 1500 دينار، وسعر بيعه للمصارف 1510 دنانير، وللجمهور 1520 ديناراً، بعد أن كان السعر الأخير 1320 ديناراً، فيما جاء القرار عقب موافقة مجلس الوزراء على التعديل، بالتزامن مع إلغاء إجراء الاستيفاء المسبق للرسوم الجمركية الذي أثار اعتراضات تجارية خلال الأيام الماضية. 

زيادة الأعباء

من جهته، يقول الباحث ورجل الأعمال رمضان البدران، إن “المشكلة الأساسية في العراق اقتصادية قبل أن تكون مالية، لكن المعالجات الحكومية تركز باستمرار على الجانب المالي، من خلال البحث عن السيولة وتغطية الالتزامات وتسديد الديون، بدلاً من معالجة الأسباب التي جعلت الاقتصاد عاجزاً عن إنتاج موارد تكفي لتغطية احتياجات الدولة”. 

ويضيف، أن “هناك فرقاً كبيراً بين إدارة الأموال وإدارة الاقتصاد، فالحكومة تنشغل بحساب الإيرادات والنفقات والبحث عن مصادر تمويل جديدة، بينما يفترض أن تكون الأولوية لتنشيط الإنتاج والاستثمار المحلي وتوفير فرص العمل، لأن استمرار الاعتماد على الحلول المالية السريعة سيعيد إنتاج الأزمات نفسها مهما تغيرت أرقام الموازنة أو أسعار الصرف”. 

ويشير البدران إلى أن “رفع الرسوم الجمركية والضرائب وأجور الطاقة في ظل الركود الاقتصادي يزيد الأعباء على النشاط التجاري والصناعي، في حين أن المطلوب هو تخفيف كلفة الإنتاج وحماية المستثمرين وتوجيه الموارد نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة، بدلاً من التعامل مع الاستثمار باعتباره وسيلة لجلب الأموال فقط، دون النظر إلى ما يمكن أن يحققه من إنتاج وفرص عمل”.

تناقض سياسي

وتكشف الأرقام الأولية لموازنة 2027 جانباً آخر من الإشكالية، إذ تحدث أعضاء في اللجنة المالية النيابية عن إنفاق يصل إلى 217 تريليون دينار وعجز يقدر بنحو 50 تريليوناً، مع اعتماد سعر نفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل وصادرات يومية بحدود أربعة ملايين برميل، وهي تقديرات تضع الموازنة أمام احتمال اتساع الفجوة بين الإيرادات المخططة والمتحققة، إذا استمرت اضطرابات التصدير أو لم تتمكن الحكومة من بلوغ الكميات المفترضة.

وفي موازاة الجدل الاقتصادي، برز تناقض سياسي بين مواقف القوى المشاركة في الحكومة وخطاب ممثليها داخل البرلمان، بعدما أبدت أوساط نيابية اعتراضات علنية على رفع سعر الصرف، وتحرك نواب لجمع التواقيع لإلغاء القرار واستدعاء المسؤولين المعنيين، رغم صدوره عن مجلس الوزراء الذي تشارك في تشكيله قوى سياسية ممثلة في السلطة التشريعية. 

ضغوط متصاعدة

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي عادل الدلفي، إن “رفع سعر صرف الدولار بهذا التوقيت يضع الأسواق أمام ضغوط إضافية، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة واسعة على السلع المستوردة، وبالتالي فإن أي زيادة في كلفة الحصول على الدولار ستنعكس تدريجياً على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، فيما ستكون الشرائح ذات الدخل المحدود والثابت الأكثر تأثراً بهذه الزيادات”. 

ويضيف، أن “القرارات النقدية تحتاج إلى وضوح واستقرار وتوقيت مدروس، لأن التغييرات المفاجئة في سعر الصرف قد تؤثر على ثقة المتعاملين بالسياسة النقدية وتثير تساؤلات لدى المؤسسات المالية والمستثمرين بشأن القدرة على الحفاظ على استقرار العملة، ولاسيما عندما تأتي هذه الإجراءات لمعالجة ضغوط مالية دون أن ترافقها إصلاحات اقتصادية حقيقية تحد من الاعتماد على النفط والاستيراد”. 

ويرى الدلفي أن “معالجة العجز من خلال سعر الصرف قد توفر للحكومة متنفساً مالياً مؤقتاً، لكنها لا تمثل بديلاً عن مراجعة الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتحسين بيئة الإنتاج، لأن الاستمرار في تحميل السياسة النقدية أعباء الاختلالات المالية قد يؤدي إلى تكرار المشكلة خلال السنوات المقبلة”. 

ويحذر مختصون من أن استمرار الاعتماد على تغيير سعر الصرف والاقتراض لتغطية الفجوات المالية، من دون إصلاحات موازية في الإنفاق والإنتاج والإيرادات غير النفطية، قد يجعل الإجراءات الحالية مجرد معالجة مؤقتة، فيما يبقى الاختبار الأهم مرتبطاً بموازنة 2027 وقدرتها على تحويل الأرقام المعلنة إلى موارد فعلية، بعيداً عن تحميل المواطن كلفة الاختلالات المتراكمة في إدارة الاقتصاد.




المصدر: العالم الجديد