من يدفع كلفة ترتيب قوى المحاصصة لنفوذها؟

مقالات 08 October 2026
بقلم: ياسر السالم

في أقل من 24 ساعة، تكشفت أمام العراقيين ثلاثة أرقام تبدو متفرقة، غير أنها تنتمي إلى معادلة مالية وسياسية واحدة.

الرقم الأول يخص احتياطي البنك المركزي من العملة الأجنبية. تصنيف دولي تداولته وسائل الإعلام الاثنين وضعه عند نحو 85 مليار دولار، لكن بيانات البنك نفسه تقول إنه هبط إلى قرابة 80.6 مليار في نهاية تموز، بعدما تجاوز 102 مليار في شباط الماضي. أي أن أكثر من 21 مليارا خرجت من حسابات البنك في خمسة أشهر.

الرقم الثاني جاء صباح الثلاثاء، إذ رفع البنك السعر الرسمي للدولار إلى 1520 دينارا، مؤكدا كفاية احتياطياته من غير أن يفصح عن حجمها.

الرقم الثالث تحمله الأرقام الأولية لموازنة 2027، إذ تقدر النفقات بـ217.239 تريليون دينار، منها 169.342 تريليون نفقات تشغيلية، مقابل 47.897 تريليون فقط للاستثمار، وعجز مخطط يصل إلى 43 تريليون دينار.

تعويضات الموظفين وحدها ترتفع بنحو 8.951 تريليون دينار، والرعاية الاجتماعية بنحو 8.329 تريليون، ليتجاوز مجموعهما 101 تريليون. ويجري الحديث، فوق ذلك، عن 100 ألف تعيين جديد، إلى جانب تثبيت العقود والأجراء اليوميين. على أن هذه، حتى الآن، اتجاهات وأرقام في مشروع الموازنة، لم تكتسب صفتها النهائية قبل إقرار القانون.

يتحول سعر الصرف في هذه المعادلة، إذن، إلى أداة لخلق وفرة مالية. بمعنى أن الدولة تستطيع تغطية جزء مهم من نمو الرواتب والتعيينات والعجز عبر تقليل قيمة الدينار، من غير إضافة أي قيمة اقتصادية جديدة.

غير أن الأمور لن تكون بتلك السلاسة المتوقعة، فالموازنة المفترضة لعام 2027 تبني إيراداتها على تصدير 4 ملايين برميل يوميا، أي قرابة ثلاثة أضعاف متوسط ما صدر في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام. فإن خابت تقديرات الحكومة، فإن العجز سيتسع، بينما ستبقى نفقات الرواتب المتضخمة التزاما واجب السداد!

المعادلة التي تضعها الحكومة هنا، ومن خلفها القوى المتنفذة، تبحث عن نتيجة سياسية سريعة، على حساب الجدوى الاقتصادية!

تسبق هذه القرارات الاستحقاق الانتخابي المقبل في 2027، والنتيجة السياسية المستعجلة منها تسعى إلى امتصاص البطالة والاحتقان، وربط عشرات الآلاف من العاطلين بشبكة الولاء السياسي، حيث تمر الدرجات الوظيفية عبر مكاتب الأحزاب.. فتعود المنفعة على من يوزعها من المتنفذين!

قد تستطيع قوى السلطة، بهذه الطريقة، تخفيف جزء من الاحتقان وترتيب علاقتها مع شرائح من العراقيين قبل الانتخابات. لكن كلفة هذه التهدئة السياسية والاجتماعية المؤقتة ستؤجل إلى السنوات المقبلة، على هيئة تضخم أكبر وعجز أوسع واعتماد أشد على النفط.. وسيكون الحساب النهائي أعلى كلفة على الجميع، وأولهم المواطنون، الذين سيدفعون كلفة ترتيب قوى المحاصصة لنفوذها مرة أخرى.

فما الجديد الذي تعدنا به حكومة السيد الزيدي؟ أليست هذه هي السياسة المالية نفسها التي عمقت الأزمة الاقتصادية طوال السنوات الماضية؟

ربما الجديد هو أن موعد تفجر الأزمة صار أكثر قربا!

الوسوم: ياسر السالم