أمريكا وإيران.. من ميدان الحرب إلى طاولة هرم
لم تعد المسألة اليوم مرتبطة باحتمال عودة الحرب الأمريكيةـ الإيرانية وحده، فقد دخل الصراع مرحلة جديدة في نيويورك، حيث جرت اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران، وسط استمرار التهديدات العسكرية ومحاولات الوصول إلى تفاهم ينهي الحرب ويفتح الطريق أمام الملاحة في مضيق هرمز.
بعد سبعة أشهر من القتال تغيرت حسابات الطرفين. الولايات المتحدة استخدمت تفوقها العسكري وألحقت أضراراً كبيرة بإيران، فيما احتفظت طهران بأوراق ضغط مؤثرة، يأتي في مقدمتها مضيق هرمز وشبكة نفوذها الإقليمي. الحرب رفعت كلفتها على الطرفين، وامتدت آثارها إلى الطاقة والملاحة واليمن ودول الخليج.
في نيويورك تحركت الدبلوماسية من جديد. جرت محادثات غير مباشرة بوساطة إقليمية، واستمرت لساعات، فيما وصفتها واشنطن بأنها جولة يمكن أن تفتح طريقاً نحو اتفاق. إيران قدمت شروطها لإنهاء الحرب، ومنها وقف العمليات والحصار البحري والإجراءات الاقتصادية والإفراج عن أصول إيرانية.
في قلب هذه المفاوضات يقف مضيق هرمز. طهران أبدت استعدادها لإعادة فتحه خلال فترة قصيرة في حال خفضت واشنطن الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. بذلك أصبح المضيق ورقة تفاوض رئيسية ترتبط مباشرة بملفات الحرب والعقوبات والأمن الإقليمي.
هذا التطور يحمل دلالة كبيرة، فالممر الذي شكل خلال الأشهر الماضية جزءاً من ساحة الصراع أصبح جزءاً من حسابات التسوية. الولايات المتحدة تحتاج إلى ضمان حرية الملاحة، وإيران تحتاج إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية. وكل خطوة في هذا الاتجاه ترتبط بالخطوة المقابلة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما زال يتحدث عن الضغط على إيران وعن منعها من امتلاك سلاح نووي، فيما أكد في الوقت نفسه أن الاتصالات مستمرة وأن الوصول إلى تسوية ما زال ممكناً. وزير الخارجية ماركو روبيو أشار إلى أن الوصول إلى اتفاق يحتاج إلى مفاوضات شاقة تمتد مع الوقت.
من الجانب الإيراني، أكد الرئيس مسعود بزشكيان تمسك بلاده بالدبلوماسية مع استمرار رفضها للضغوط العسكرية. وتكشف هذه المواقف عن مسار تفاوضي يحتاج إلى وقت طويل حتى تتحول الاتصالات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.
دول الخليج تراقب هذا المسار بحسابات مختلفة. استمرار الحرب يعني مزيداً من المخاطر على المنشآت والطاقة والملاحة، فيما يمنح أي تهدئة مساحة أكبر لترتيبات أمنية إقليمية. السعودية وقطر ودول أخرى تتحرك دبلوماسياً لتأمين الملاحة وحماية مصالحها من تداعيات الصراع.
حتى أسواق النفط أصبحت شديدة الحساسية لأي إشارة تصدر من مسار التفاوض. تحسن حركة الإمدادات عبر الخليج وعودة بعض مسارات التصدير السعودية ساعدا على تراجع أسعار النفط، ما يوضح حجم التأثير الذي أصبح لمضيق هرمز على الاقتصاد العالمي. فقد كانت تمر عبره قبل الحرب نسبة كبيرة من الإمدادات النفطية العالمية.
في المقابل، ما زالت الملفات الثقيلة على الطاولة: البرنامج النووي الإيراني، العقوبات، الوجود العسكري الأمريكي، أمن الملاحة، مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وترتيبات ما بعد الحرب.
لهذا تبدو مفاوضات نيويورك اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على تحويل أوراق القوة إلى اتفاق. إيران تدخل المفاوضات وهي تمتلك ورقة هرمز، وواشنطن تدخلها وهي تمتلك أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري. وبين هذه الأوراق تبحث الدول الخليجية عن مساحة أمنية تمنع تكرار الحرب على أراضيها وممراتها البحرية.
المشهد الحالي لا يحمل صورة مصالحة بين واشنطن وطهران. إنه محاولة لإدارة خصومة وصلت كلفتها إلى مستوى يصعب تجاهله. كل طرف يريد ضمان مصالحه والحصول على تنازلات من الطرف الآخر، فيما تتسع دائرة الدول التي تريد وقف التصعيد.
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من الأشهر السبعة الماضية: الحرب تستطيع فتح الملفات بالقوة، ثم تأتي مرحلة التفاوض لتبحث عن طريقة لإغلاقها.
مضيق هرمز أصبح اليوم مفتاحاً لهذه المرحلة. فإذا نجحت المفاوضات في تحويله من ورقة ضغط إلى جزء من اتفاق أوسع، فقد تبدأ المنطقة مساراً جديداً لإدارة الصراع. وإذا تعثرت الاتصالات، تبقى احتمالات التصعيد قائمة.
الطريق أمام الاتفاق ما زال طويلاً، إلا أن جلوس الوسطاء بين واشنطن وطهران في نيويورك يحمل معنى واضحاً: الطرفان وصلا إلى مرحلة أصبحت فيها كلفة استمرار الحرب حاضرة بقوة على طاولة الحسابات.