تآكل الاحتياطي النقدي وخروج من السندات الأمريكية: مخاطر الشلل النفطي تضع العراق أمام الحلول الصعبة

تقارير 24 September 2026
شهد العراق تراجعاً حاداً في احتياطياته الأجنبية بقيمة 16.8 مليار دولار خلال سبعة أشهر، لتسجل 80.6 ملياراً بنهاية تموز 2026، فيما غاب العراق عن قائمة كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية.

ويعود هذا الانكماش، بحسب مختصين، إلى انهيار الصادرات النفطية، وارتفاع التكاليف اللوجستية، وتغيرات إدارة المحفظة الاستثمارية. ولتعويض العجز، تبرز خيارات متعددة تتراوح بين ضغط الإنفاق الحكومي والتقشف، واللجوء للاقتراض الخارجي، أو معالجة النقد الداخلي.

تراجع الاحتياطي

ويقول عضو لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة النيابية كلدو رمزي، إن ”تراجع الاحتياطيات الأجنبية للعراق يستحق المتابعة والوقوف على أسبابه بدقة، بعد أن انخفضت من نحو 97.4 مليار دولار نهاية 2025 إلى 80.6 مليار دولار بنهاية تموز 2026، أي بنحو 16.8 مليار دولار وبنسبة تتجاوز 17 بالمئة”.

ويضيف، أن ”انخفاض الاحتياطي لا يعني تلقائياً وجود خلل أو سوء استخدام، إذ يتأثر بتدفقات الإيرادات النفطية وتمويل التجارة الخارجية والتحويلات وحركة الأصول والاستثمارات الخارجية وإعادة توزيع المحفظة الاستثمارية، لكن الأهم هو معرفة مكونات الانخفاض وأسبابه، وما إذا كان مرحلياً أم يمثل اتجاهاً يحتاج إلى إجراءات اقتصادية ونقدية إضافية”.

متابعة برلمانية

ويؤكد رمزي، أن ”لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة ستتابع الملف بالتكامل مع اللجنة المالية النيابية، والاستماع إلى البنك المركزي بشأن أسباب تراجع الاحتياطيات وحركة الأصول والاستثمارات الخارجية والتغيرات في المحفظة الاستثمارية وآليات إدارتها، ضمن الدور الرقابي لمجلس النواب ومع احترام استقلالية البنك المركزي”.

ويشدد على “ضرورة عدم إعطاء إشارات تثير القلق في السوق من دون أساس، بعد أن أكد البنك المركزي امتلاكه احتياطيات كافية لتلبية الطلب على العملة الأجنبية لتمويل التجارة الخارجية والبطاقات المصرفية وطلبات المسافرين وفق السعر الرسمي”.

الدولار والدينار

وفي نهاية 2025، بلغت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي نحو 97.432 مليار دولار، قبل أن تتراجع إلى 86.175 مليار دولار بنهاية حزيران 2026، ثم إلى 80.633 مليار دولار بنهاية تموز، بانخفاض بلغ 16.799 مليار دولار خلال سبعة أشهر، وبنسبة تقارب 17.2 بالمئة.

وبالدينار، انخفضت قيمة الاحتياطيات من 126.661 تريليون دينار نهاية 2025 إلى 112.027 تريليون دينار في حزيران، ثم 104.823 تريليونات دينار في تموز. كما تراجعت استثمارات البنك المركزي من 93.266 تريليون دينار إلى 81.998 تريليون، ثم 75.034 تريليون دينار خلال المدة ذاتها.

وامتد الانخفاض إلى الموجود النقدي في خزائن البنك المركزي، ليتراجع من 1.907 تريليون دينار نهاية 2025 إلى 614 مليار دينار في حزيران، ثم 124 مليار دينار في تموز. في المقابل، ارتفع رصيد الذهب بشكل طفيف من 29.415 تريليون دينار في حزيران إلى 29.665 تريليون في تموز، لكنه بقي دون مستوى نهاية 2025 البالغ 31.488 تريليون دينار.

سندات الخزانة

وعن غياب العراق عن قائمة أكبر الدول حيازة لسندات الخزانة الأمريكية، يبين رمزي، أن ”مبلغ 40.8 مليار دولار المسجل نهاية 2022 كان يشمل أوراقاً مالية حكومية أمريكية طويلة وقصيرة الأجل، وليس دقيقاً اعتباره مبلغاً اختفى بمجرد عدم ظهور العراق لاحقاً ضمن قائمة كبار الحائزين، لذا غيابه يعني أن حيازته أصبحت دون الحد الذي يظهر في الجدول”.

ويعتبر، أن ”المطلوب معرفة ما إذا كان جزء من هذه الأوراق قد بيع أو استحق، وأين أعيد توظيف الأموال، وكيف تغير توزيع المحفظة الاستثمارية، وإلا إعادة توزيع الأصول جزء طبيعي من إدارة الاحتياطيات، والأهم هو معرفة حجم الاستثمارات الخارجية وتوزيعها وعوائدها ومخاطرها ومدى تحقيقها لمعايير الأمان والسيولة والعائد”.

وأظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية الخاصة بتموز 2026 غياب العراق عن قائمة كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية، مقابل وجود السعودية والإمارات بوصفهما الدولتين العربيتين الوحيدتين في القائمة، بحيازة بلغت 142.4 مليار دولار للسعودية و110.1 مليارات دولار للإمارات، مقابل 142.5 و114.8 مليار دولار على التوالي في حزيران.

وجاءت السعودية في المرتبة السابعة عشرة والإمارات في التاسعة عشرة، فيما تصدرت اليابان القائمة بـ1.1039 تريليون دولار، تلتها المملكة المتحدة بـ998.3 مليار دولار، ثم الصين بـ618 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي حيازات الأجانب 9.2481 تريليونات دولار في تموز.

ارتفاع الدولار

وفي ما يتعلق بارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي، يرى عضو لجنة الاقتصاد النيابية، أن ”تراجع الاحتياطي لا يعني بالضرورة ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي بالنسبة نفسها، إذ تتأثر السوق بحجم الطلب على العملة الأجنبية والتحويلات والتجارة غير المنظمة والمضاربات والظروف الإقليمية وكفاءة القطاع المصرفي في استيعاب الطلب المشروع”.

ويردف، أن ”البنك المركزي يعزو الارتفاع الأخير إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية، مع استمرار تمويل التجارة الخارجية عبر القنوات الرسمية، فيما تتابع اللجنتان الاقتصادية والمالية مستوى الاحتياطيات والاستثمارات الخارجية وآليات التحويل وأسباب الفجوة بين السعر الرسمي والموازي”.

إدارة نقدية

ويؤكد رمزي، أن ”حماية الاحتياطي لا تقتصر على إدارة الطلب على الدولار، بل تتطلب بناء اقتصاد قادر على جذب الاستثمار وإنتاج جزء أكبر مما يستهلكه، وتوجهات الحكومة في دعم القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتحريك المشاريع يمكن أن تزيد الإنتاج وفرص العمل وتنويع مصادر الدخل إذا تحولت إلى مشاريع ورؤوس أموال فعلية”.

ويختتم حديثه بالقول: إن ”المعيار ليس حجم الاتفاقات والاستثمارات المعلنة، بل ما يتحول منها فعلياً إلى مشاريع وإنتاج وفرص عمل داخل العراق، وأن استدامة الاحتياطي تحتاج إلى إدارة نقدية سليمة ورقابة مؤسساتية، بالتوازي مع اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنوعاً وأقل اعتماداً على النفط والاستيراد”.

أسباب الانخفاض

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي كريم الحلو، إن “الاحتياطيات العراقية تراجعت خلال الأزمة الأخيرة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والعراق كان الخاسر الأكبر نتيجة تراجع قدرته على تصدير النفط، إذ كان يصدر نحو أربعة ملايين برميل يومياً، قبل أن تنخفض الكميات المصدرة إلى نحو مئة ألف برميل”.

ويضيف، أن ”هذا التراجع ارتبط بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع كلف الناقلات والتأمين بسبب الحرب، فضلاً عن عدم امتلاك العراق ناقلات نفط خاصة به، حيث إن ناقلة نفط صينية بسعة مليون طن تبلغ كلفتها نحو 150 مليون دولار، لذا نتساءل عن أسباب عدم توجه العراق إلى شراء ناقلات خاصة به”.

ويلفت الحلو إلى أن ”سلطنة عمان عرضت على العراق تخزين نفطه في منشآتها، التي تمتلك طاقة خزن تصل إلى نحو 200 مليون، إلا أن العراق لم يرسل نفطه لتخزينه في تلك المناطق”.

ويكمل، أن ”تراجع الإيرادات النفطية دفع العراق إلى اللجوء إلى احتياطياته النقدية، ولا سيما أن النفط يمثل نحو 90 بالمئة من موارد الدولة، في ظل غياب صادرات أخرى يمكن أن تشكل مورداً بديلاً”.

حلول ممكنة

وفي ما يتعلق بالحلول الممكنة، يعتقد الخبير الاقتصادي، أن ”أحد الخيارات المتاحة يتمثل في معالجة الأزمة من الداخل، حيث بإمكان الحكومة طباعة 30 تريليون دينار من العملة العراقية الجديدة من دون أن يؤدي ذلك إلى التضخم، في ظل حجم الأموال الحكومية والمتداولة لدى المواطنين”.

وييستطرد، أن “اللجوء إلى القروض الخارجية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يمثل خياراً آخر، فهذه القروض يمكن أن تدعم الاحتياطي العراقي وتوفر الدولار بشروط جيدة وعلى آجال بعيدة، وهو ما يعد مهماً لتعزيز الاحتياطيات من الخارج”.

ويعتبر، أن ”الحلول المطروحة أمام الحكومة تتمثل في مجموعة مسارات، أبرزها إدارة الموارد الداخلية، والاقتراض الخارجي، وضبط الإيرادات المحلية، إلى جانب التقشف وهو الخيار الأهم في المرحلة الحالية”.

رواتب خاصة

وينبه الحلو إلى أن التقشف يمثل حلاً أساسياً لدعم الاقتصاد العراقي، داعيا إلى مراجعة الإنفاق على الرواتب والمخصصات والفصائل ومؤسسات الدولة، ونقل عن صندوق النقد الدولي بأن نحو 15 مليار دولار سنوياً تدفعها الحكومة العراقية رواتب لنحو 300 ألف شخص من الدرجات الخاصة والحزبيين، بعضهم يتقاضى أكثر من راتب”.

ويتابع، أن “هناك إنفاقاً كبيراً على رواتب فئات أخرى، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة مرتبطة بالفصائل داخل مؤسسات الدولة والجيش وشبكات الحماية والعقود ومؤسسات أخرى، وهذه النفقات تستنزف موارد الدولة”.

ويشدد على ”أهمية ضبط الإيرادات المحلية، وتحسين تحصيلها يمكن أن يوفر موارد كبيرة للدولة ويساعد في تغطية الرواتب”. كما أشار إلى وجود نحو 550 ألفاً ضمن ما وصفه بـ”نظام الساعة”، منتقداً استمرار الإنفاق على هذه الرواتب لسنوات.

تخزين الدولار

وعن ارتفاع سعر الدولار، يوضح الخبير الحلو، أن ”الإجراءات المتعلقة بالمنصة وتعقيد المعاملات والروتين دفعت جزءاً من المتعاملين إلى العودة للسوق الموازي، وأزمة مصرف الطيف الإسلامي وتأخر الأموال خلقت حالة من القلق دفعت بعض المواطنين إلى تحويل ما لديهم من الدينار إلى الدولار، ما أدى إلى زيادة الطلب عليه”.

ويجزم، أن “كميات كبيرة من الدولار موجودة لدى جهات داخل البلاد تمتلك ملايين الدولارات، ودخول هذه الأموال إلى السوق أو سحبها منه يسهم في تحريك سعر الصرف صعوداً وهبوطاً”.

ويحذر من أن ”استمرار هذه الأوضاع سينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤدي إلى تراجع الطلب على السلع، ولا سيما مع زيادة الرسوم والأعباء المالية، ما يفاقم الضغوط على الأسواق والمستهلكين”.

ويختتم الحلو حديثه بالقول: إن ”إصلاح القطاع المالي يحتاج إلى جهود كبيرة، والحكومات المتعاقبة خلال 25 سنة لم تنجح في معالجة عدد من هذه الملفات، ما أدى إلى تراكم المشكلات والفساد والخسائر المالية”.

وبذلك، تجمع الأشهر السبعة الأولى من 2026 بين تراجع الاحتياطيات بنحو 17.2 بالمئة، وانخفاض استثمارات البنك المركزي وموجوده النقدي، وغياب العراق عن قائمة كبار حائزي السندات الأمريكية، لتنتقل المسألة من حجم الأموال المتراجعة إلى كيفية إدارة الأصول وإعادة توزيعها وأثر ذلك في استدامة الاحتياطي والاستقرار النقدي.



المصدر: العالم الجديد