خط أنابيب العراق وإيران، مسار لتعويض انخفاض صادرات النفط إلى شرق آسيا

مقالات 23 August 2026
بقلم: كريم الاعرجي

بعد إغلاق مضيق هرمز، واجه العراق تحديات كبيرة لبيع نفطه، وحاولت الحكومة تنويع مسارات التصدير من خلال إبرام عقود خطوط أنابيب مع سوريا وتركيا. ومع ذلك، يجب أن يكون إنشاء خط أنابيب مشترك بين إيران والعراق أولوية لأسباب فنية وسياسية واقتصادية مختلفة.

مع بدء العدوان الأمريكي على الأراضي الإيرانية في شباط 2026 وإغلاق مضيق هرمز رداً على ذلك، دخل العالم في صدمة كبيرة، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب خطير في 35% من صادرات النفط العالمية، و20% من الغاز الطبيعي المسال (LNG)، وحوالي 30% من التجارة البحرية للأسمدة الكيماوية في العالم. بعد تشكّل النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، كان العراق من أوائل الدول التي قامت، بتنسيق كامل مع ایران، بتسيير سفنها عبر المسار البحري لمضيق هرمز دون دفع رسوم. كان هذا الافتتاح حدثاً حاسماً للعراق، الذي يعتمد بأكثر من 90% من صادرات النفط والمشتقات النفطية ونصف إجمالي وارداته على هذا المسار. ومع ذلك، فإنّ فرض الحصار البحري من قبل أمريكا في تاريخ 13 نيسان، وبعد يوم واحد فقط من انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات مع إيران في إسلام أباد، أدى إلى انسداد هذا المسار مجدداً لجميع المستفيدين، وخاصة العراق.

إنّ الانسداد والنشاط غير المنتظم لمرور السفن عبر مضيق هرمز قد تسبب في اضطراب شديد في صادرات النفط والمشتقات النفطية باعتبارها الشريان الحيوي للأمن القومي وسبل عيش الشعب العراقي، وهو أمر يحتمل تكراره في المستقبل أيضاً. لذا، فمن الضروري أن يصبح إنشاء مسارات بديلة آمنة ومستدامة لتصدير النفط أحد الأولويات الرئيسية للحكومة.

في هذه الأثناء, أمام العراق عدة خيارات, ومن بينها نقل النفط من البصرة عبر أنبوب والاتصال بخط أنابيب كركوك-جيهان وتصدير النفط عبر تركيا والبحر الأبيض المتوسط, وهو أحد البرامج التي وضعتها الحكومة على جدول أعمالها. بالطبع، بعد الرحلة الأخيرة التي قام بها وزير النفط العراقي إلى تركيا ولقائه بوزير النفط التركي، والتي تمت بهدف تمديد عقد تصدير النفط الخام العراقي عبر مسار جيهان لمدة عام واحد، أصدرت وزارة النفط العراقية بياناً. وأوضح هذا البيان أن الوصول إلى سعة 750 ألف برميل من النفط المستهدف للمستقبل مرهون بتحسين الظروف الأمنية, والاستئناف الكامل لإنتاج النفط في إقليم کردستان, واستكمال البنية التحتية اللوجستية لنقل كميات أكبر من نفط جنوب العراق إلى شمال البلاد. لذا فإنّ هذا الخيار يتطلب وقتاً وتكلفة عالية ليتبلور. ومن ناحية أخرى, وقعت الحكومة في الأشهر الأخيرة مذكرات تفاهم مع الحكومة السورية لإنشاء خط أنابيب کرکوک-بانیاس لإيصال جزء من النفط إلى عملائها عبر ميناء بانیاس. بالطبع, فإنّ مسار سورية أيضاً ليس خياراً آمناً لإنشاء خط أنابيب بسبب انعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي-الأمني السائد في سورية بعد بدء حكم أحمد الشرع, وكذلك بسبب احتلال أجزاء من الأراضي السورية من قبل الكيان الصهيوني.

النقطة المثيرة للاهتمام هي أن الإجراءات الأخيرة للحكومة العراقية مناسبة فقط لتصدير نفط للعملاء الأوروبيين والغربيين, وتصدير نفط للعملاء الشرقيين الذين يشترون معظم النفط العراقي ليس مجدياً من حيث الوقت وتكلفة الشحن عبر هذا الطريق. وعدم جدوى شراء النفط من العراق في حال استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تقليل جاذبية النفط العراقي للعملاء في شرق آسیا.

أما أحد الخيارات الأخرى فهو إنشاء خط أنابيب عبر مسار إیران والذي له تاريخ طويل؛ حيث تم في عام 2005 توقيع اتفاقية بين إیران والعراق تهدف إلى إنشاء خط أنابيب لربط جنوب العراق بمدينة عبادان في إیران. وتقرر في هذا العقد أن ينقل العراق 150 ألف برميل من النفط الخام يومياً إلى إیران. ولم يكتمل هذا العقد بسبب المعارضة والعراقيل من قبل واشنطن. كما تم في تشرين الثاني 2007 تفعيل مشروع إنشاء خط أنابيب بين البلدين مرة أخرى, وتقرر هذه المرة نقل 100 ألف برميل من النفط يومياً من العراق إلى إیران لاستخدامها في مصافي إیران. وبعد بضعة أشهر في آذار 2008, ووفقاً لأريك واتكينز, كبير مراسلي موقع OIL & GAS JOURNAL الإخباري, أجرت الحكومة العراقية مناقصات بدعوة شركات لبناء هذا الخط, ولكن لأسباب غير معروفة لم تؤدِ هذه المناقصات وبناء خط الأنابيب إلى نتيجة.

يمكن لخط الأنابيب المشترك بين العراق وإیران أن يغطّي جزءاً مهماً من صادرات نفط العراق من خلال نقل نفط إلى سواحل بحر عمان والنقل البحري إلى الصين, هند وغيرهم من عملاء شرق آسیا. كما يمكن بيع جزء من نفط لإیران نفسها نظراً للقدرات التكريرية والبتروكيماوية في إیران. ومن المزايا الأخرى لهذا الخط إمكانية التواصل مع أسواق جديدة لمشتري نفط في الشرق مثل باكستان وأفغانستان.

بالنظر إلى تاريخ مذكرة التفاهم لبناء خط الأنابيب بين الحكومتين ورغبة الجانب الإيراني, لن تواجه الحكومة العراقية عملاً شاقاً لتوقيع هذا العقد, ويمكن أن يحرر العراق من هذا المأزق الجيواقتصادي.


الوسوم: كريم الاعرجي