نقص حادّ بالأدوية والعلاج في مستشفيات العراق الحكومية
ووفقاً لإفادات من مرضى، فإنّ النقص الحاصل بالأدوية في المستشفيات الحكومية، لم يعد يقتصر على أدوية محددة، بل صار ظاهرة تشمل عموم الأدوية، حتى البسيطة منها مثل أنبوبة الحقنة، حيث يضطر المريض إلى شرائها من خارج المستشفى.
ويقول الحاج فاضل الزاملي (58 عاماً) وهو من أهالي بغداد، إنّه راجع قسم الطوارئ بمدينة الطب في بغداد، وهي أكبر مركز طبي في العاصمة العراقية، وإنّ المستشفى لم يوفر له سوى جزءٍ بسيط جداً من الأدوية الثانوية، وطلب منه شراء الوصفة الطبية من خارج المستشفى.
ويؤكد مرضى آخرون أنّ المشكلة وصلت إلى مراحل أكثر خطورة، إذ إنّ المستشفيات تفتقر حتى إلى المستلزمات البسيطة، ويصف أحد المرضى الحالة بأنّها "مزرية"، وقال ضياء علي (33 عاماً) من بغداد، إنّ "المستشفيات الخارجية صارت الملاذ الوحيد للمرضى، غير أنّ أصحابها يستغلون حاجة المرضى، ويرفعون الأسعار بشكل كبير".
ولا تُعتبر مشكلة توفير العلاج في المستشفيات الحكومية العراقية جديدة، إذ تعاني تلك المستشفيات منذ أعوامٍ مشكلات ترتبط بتوفير العلاجات والأجهزة الطبية، وضعفاً في البنية التحتية بشكل كامل، غير أنّ الأزمة بدأت تتفاقم في الشهرين الأخيرين، بسبب نقص التمويل والأزمة المالية التي تعانيها البلاد.
من جهته، قال أحد الأطباء المقيمين بمستشفى في بغداد، طلب عدم الكشف عن هويته، إنّ ما تعانيه المستشفيات من نقص شبه تامّ في الأدوية والعلاجات هو نتيجة تراكم سنوات طويلة من الإهمال الذي طاول الواقع الصحي في البلاد، مؤكداً، أنّ "من غير الممكن أن تُحمَّل إدارات المستشفيات مسؤولية ذلك، فالمشكلة يتداخل فيها نقص التمويل، وقِدم الأجهزة الطبية، وشبهات الفساد التي رافقت منذ سنوات طويلة عقود شراء الأدوية والمستلزمات الطبية".
وأضاف الطبيب: "معالجة الملف أمر غير سهل في الوقت الحالي، فهو يتطلب مراجعة شاملة للقطاع الصحي، إذ إنّ المشكلة لا تتعلق بالأدوية وحدها، بل تمتد إلى البنية التحتية للمستشفيات الحكومية بشكل شامل"، محذّراً من أنّ "استمرار الوضع على ما هو عليه من إهمالٍ، يضع المرضى أمام مخاطر تفاقم حالاتهم الصحية، خصوصاً الفقراء منهم وذوي الدخل المحدود غير القادرين على شراء الأدوية والعلاج المطلوب، أو حتى الخضوع لفحوصٍ في مستشفيات متطورة بأجهزة طبية حديثة".
إلى ذلك، يسعى البرلمان العراقي إلى فتح ملف التراجع الخطير بمستوى الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية. وفي تصريح تلفزيوني، قال النائب محمد الحسناوي إنّ "القطاع الصحي بات غير صحيّ، وإنّ المشاكل تبدو كأنّها مستنسخة في كل المستشفيات في محافظات البلاد"، مبيّناً أنّ "أساس المشكلة يكون أحياناً بسبب سوء إدارة المستشفيات، أو نتيجة تقصير حكومي أو تقصير متعمد، وهو ما أوصل القطاع الصحي إلى هذا المستوى المتردّي".
وشدّد الحسناوي على أنّ المريض اليوم لا يجد أيّ علاج في المستشفيات، حتى في أقسام الطوارئ، بل لا يجد حتى الحقنة، وبالتالي يُجبَر على شرائها من الصيدليات الخارجية، لافتاً إلى أنّ "هذه المشكلة تشمل المستشفيات في كلّ المحافظات، إذ تعاني كلّها من نقص العلاج وترهّل الخدمات". وختم الحسناوي بالقول: "ذاهبون في البرلمان إلى فتح الملف، فإنّ المشكلة تنعكس على حالة المريض بشكل خطير".
في مقابل ذلك، لا تزال وزارة الصحة متحفّظة على تقديم أيّ توضيحات بشأن الملف وأسبابه، فيما يواصل الوزير إجراء زيارات ميدانية إلى المستشفيات وبشكل مفاجئ. وقد كشفت تلك الزيارات واقعاً صحياً متهالكاً، غير أنّه لم يتّخذ إلا إجراءات محدودة بعزل ونقل المسؤولين في تلك المستشفيات، من دون الوقوف على أسباب ذلك.
يُشار إلى أنّ الواقع الصحي الراهن يضع الحكومة أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرتها على إعادة الحياة لمستشفياتها الحكومية التي تُعدّ الملاذ الوحيد للعراقيين غير القادرين على تحمّل تكاليف العلاج في المستشفيات الأهلية والعيادات الطبية الخاصة.