عقدان بلا إعمار حقيقي.. لماذا يصر العراقيون على إلغاء مجالس المحافظات؟
يؤدى الفشل الحقيقي لمجالس المحافظات في العراق في الارتقاء بأوضاع سكانها وتوفير الخدمات لهم، الى انبثاق المطالبات بإلغاء تلك المجالس واختيار المحافظ بطريقة الانتخاب المباشر، وقد برزت تلك المطالب في مناسبات عدة وقد جرى في عام 2019 الاستغناء عن مجالس المحافظات غير انهم اثر آخر انتخابات نيابية في عام 2022 أعادوا احياء تلك المجالس. وتزايدت مؤخرا الدعوات النيابية والمحلية لتجميد عمل مجالس المحافظات تمهيدا لإلغائها حتى اذ تطلب الامر تعديلا دستوريا، لاسيما بعد انكشاف ملفات الفساد في تلك المجالس واسهام الموظفين في البلديات في إدارة عمليات الفساد، والغرابة ان يجري التمسك بتلك التشكيلات برغم اخفاقها طيلة أكثر من عقدين من الزمن.
إن استمرار العمل بمجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم في العراق، وإعادة إحيائها برغم الانتقادات الشعبية الواسعة وسجلات الفشل الخدمي والإداري طيلة أكثر من عقدين، يعود إلى شبكة معقدة من الدوافع الدستورية، والسياسية، والحزبية.
اذ يستند تواجد مجالس المحافظات إلى أساس دستوري لا يمكن تجاوزه بسهولة؛ إذ نص الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة (122) على أن للمحافظات التي لم تنتظم في إقليم، صلاحيات واسعة... وتدار المحافظات على أساس اللامركزية الإدارية.
كما ألزم الدستور بانتخاب مجالس للمحافظات لضمان الرقابة ومشاركة السكان في إدارة شؤونهم. وبسبب هذه الصفة الدستورية، فإن أي إلغاء نهائي أو دائم لهذه المجالس يتطلب بالضرورة تعديلا دستوريا، وهو أمر يواجه عقبات سياسية وبرلمانية معقدة تتطلب توافقات وطنية واسعة يصعب تحقيقها في ظل التشكيلة البرلمانية المتغيرة.
تمثل مجالس المحافظات حلقة وصل أساسية في تقاسم السلطة والنفوذ بين الأحزاب والكتل السياسية النافذة، فبرغم فشلها الخدمي، تشكل هذه المجالس مساحة حيوية لتوزيع المناصب، والمواقع الإدارية المتقدمة، والعقود المحلية، والمقاولات، مما يتيح للأحزاب الحاكمة الحفاظ على قواعدها الانتخابية وتأمين التمويل والدعم لشبكاتها الانتخابية استعدادا للانتخابات النيابية والمحلية.
يسوغ المدافعون عن النظام اللامركزي ومجالس المحافظات تواجدها بأنه ضرورة لمنع عودة الإدارة المركزية المطلقة التي عانى منها العراق عقودا طويلة، ويروج سياسيا بأن إلغاء هذه المجالس تماما يؤدي إلى تركيز صلاحيات واسعة بيد المحافظ وحده، ما يفتح الباب أمام تفرد بالقرار الإداري والمالي وغياب الرقابة المحلية، اذ ينظر إلى المجلس "نظريا طبعا" على أنه أداة تشريعية ورقابية محلية تحد من صلاحيات السلطة التنفيذية للمحافظ.
جاءت عودة المجالس وإحياؤها بعد انتخابات عام 2022 التي أفضت إلى تشكيل حكومة الإطار التنسيقي، نتيجة تسويات سياسية تهدف إلى إعادة توزيع المكاسب بين شتى الأطراف المكونة للائتلاف الحاكم، فإلغاء المجالس كان قرارا استثنائيا اتخذ في ظرف سياسي متأزم عقب احتجاجات تشرين 2019 واستقالة الحكومة عادل عبد المهدي، ومع استقرار النظام السياسي لاحقا، سعت القوى الحزبية المهيمنة إلى استعادة هذه المؤسسات بصفتها جزءا من استحقاقاتها الانتخابية والتنظيمية.
برغم الإخفاقات المستمرة في الارتقاء بالواقع الخدمي وغياب الكفاءة الإدارية في كثير من الدوارات المحلية، يظل الابقاء على مجالس المحافظات مدفوعا بضرورة الالتزام بالنصوص الدستورية من جهة، ورغبة الكتل السياسية الحاكمة في الحفاظ على أدوات النفوذ، وتقاسم المصالح، وتوزيع المواقع الإدارية من جهة أخرى.
في العالم تختلف نماذج إدارة المديريات المحلية (المحافظات، الأقضية، والبلديات) باختلاف الأنظمة السياسية والإدارية (مركزية كانت أم فدرالية). ولتكوين صورة واضحة عن الفروق الجوهرية وكيفية تقديم الخدمات البلدية بكفاءة بعيدا عن التعقيد الحزبي، يمكن استعراض تجارب دول رائدة في هذا المجال.
الانموذج الألماني ترتبط فيه الإدارة المهنية مع اللامركزية القوية، اذ تعتمد ألمانيا على نظام إداري محلي صارم يوزع السلطات بدقة بين مستويات ثلاثة، الولايات، والمقاطعات والبلديات.
تدار البلديات الصغيرة والكبيرة عبر مجالس منتخبة تمارس دورا تشريعيا وتوجيهيا، فيما يتولى الإدارة التنفيذية واليومية عمدة محترف غالبا ما يكون مختصا في الإدارة العامة أو الاقتصاد، وينتخب بشكل مباشر أو يختار لخبرته الإدارية، وتعتمد البلديات على شركات خدمية مملوكة بالكامل للبلدية أو بالشراكة مع القطاع الخاص لإدارة المياه، والكهرباء، والنقل العام، وإدارة النفايات، وغير ذلك.
الأداء في المانيا مهني بحت، والمحاسبة تخضع لمعايير كفاءة مالية صارمة، اذ تربط الموازنات بمستوى جودة الخدمة المقدمة للسكان وليس بالمحاصصة الحزبية.
الانموذج الفرنسي، يجمع بين التمثيل المحلي والدعم المركزي التقني، و يعرف النظام الفرنسي بالتقليد العريق في الإدارة المحلية، ويتكون من ثلاثة مستويات أيضا، البلديات والـمقاطعات، والمناطق. والبلديات هي أساس النظام الإداري، وينتخب فيها مجلس بلدي يقوم بدوره بانتخاب العمدة الذي يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة جدا على مستوى القضاء أو البلدية، ويعد ممثلا للدولة وللمجتمع المحلي في آن واحد. تتولى البلدية تقديم الخدمات الأساسية، ولكن المتميز في التجربة الفرنسية هو تواجد وكالات دعم تقني حكومية مثل وكالات المياه والهندسة التابعة للدولة، تقدم الاستشارات والدعم الفني للبلديات الصغيرة التي لا تمتلك ملاكات متخصصة.
وبرغم تواجد مجالس محلية منتخبة، إلا أن المسؤولية التنفيذية واضحة ومحددة بيد العمدة، مما يمنع تشتت القرارات وتضارب الصلاحيات، مع خضوع مالي وإداري دقيق لديوان المحاسبة الفرنسي.
أنموذج دول إسكندنافيا، السويد والدنمارك، يتميز باللامركزية المالية والخدمية المطلقة. وتصنف دول الشمال الأوروبي كواحدة من أكثر مناطق العالم كفاءة في الإدارة المحلية. تدار الشؤون المحلية فيها عبر مستويات واسعة الصلاحيات (البلديات والمقاطعات الإقليمية)، وتنتخب المجالس المحلية بطريقة التمثيل النسبية، لكنها توكل إدارة الدوائر التنفيذية لمديرين تنفيذيين محترفين. وتقع على عاتق البلديات مسؤوليات ضخمة تشمل التعليم، والرعاية الصحية الأولية، والخدمات الاجتماعية، والبنى التحتية، وإدارة النفايات.
وتتمتع هذه البلديات باستقلال مالي واسع، اذ تحصل جزءا كبيرا من ضرائب الدخل المحلية بشكل مباشر، مما يجعلها مسؤولة أمام مواطنيها بشكل مباشر.
ويتميز هذا الاسلوب بالشفافية العالية، والاعتماد على الحكومة الإلكترونية الشاملة في تتبع المناقصات وإنجاز المعاملات، وانعدام البيروقراطية الورقية، اذ يقاس نجاح المجلس المحلي بمدى رضا المستفيدين عن الخدمة العامة.