حَدِيثُ الجُمُعَةِ - السُّؤالُ.. قاعِدةُ التَّنميَةِ البشريَّةِ

مقالات 14 August 2026
بقلم: نزار حدير

{أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ}.

  هل جهلَت السَّماءُ ما في نفسِ عيسى (ع) لتوجِّهَ لهُ هذا السُّؤَال كما في الآيةِ الكريمةِ {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}؟!.

  بالتَّأكيد كلَّا فالله تعالى {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.

فلماذا وردَ السُّؤَالُ إِذن؟!.

  إِنَّ واحدةً من المباني القُرآنيَّةَ الأَساسيَّةَ هو السؤَال والجَواب كما في قولهِ تعالى {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّاأَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

فما هوَ السِّرُّ في ذلكَ؟!.

  حسبَ فَهمي وتتبُّعي للتجاربِ البشريَّةِ فإِنَّ التَّمنيةَ البشريَّةَ، وهيَ أَساسُ كُلَّ تنميَةٍ، لا تتحقَّق إِلَّا بالعلمِ والعلمُ لا يتحقَّق إِلَّا بالسُّؤَال والسُّؤَالُ لا يتحقَّق إِلَّا بالحريَّةِ وتحديداً حريَّة التَّفكير والحريَّةُ لا تتحقَّق إِلَّا بالجُرأَةِ على السُّؤالِ في ظلِّ أَجواءٍ سليمةٍ وفضاءٍ آمنٍ مُعافى خالي من الإِرهاب الفكري تحدِيداً ولا تحدُّهُ الخطُوط الحَمراء وليسَ فيهِ أَيَّ نوعٍ من الصنميَّةِ التي تقفُل العقلَ وتمنعهُ من التَّفكيرِ {عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.

  وبالسُّؤَالِ الجريء نخلقُ العصفَ الفكري الذي يُحرِّضُ على التَّفكيرِ العميقِ المُنتجِ وليسَ التَّفكير السَّطحي السَّاذج نَتاجُ السُّؤال الرُّوتيني!.

فما هيَ نوعيَّةُ الأَسئلة التي تُنتجُ ذلكَ؟!.

  ١/ السُّؤَال الجريء الذي يتجاوَز الصُّندوق ولا يلتزم بالثَّوابت المُصطنعَة ويعبُر المُحرَّمات التي ترسمها ثقافةُ القطيعِ.

  إِنَّ الأَسئلةَ الرُّوتينيَّةَ المُتعارف عليها لا تزيدُ شيئاً معرفيّاً يُعتدُّ بهِ، ولذلكَ نُلاحظ في التَّجربةِ البشريَّةِ أَنَّ العُلماءَ والفُقهاءَ والفلاسِفةَ والباحثِينَ وعُلماء الطَّبيعةَ بمُختلفِ اهتماماتهِم إِنَّما يحقِّقونَ غاياتهُم المعرفيَّةِ واكتشافاتهُم وإِبداعاتهُم المعرفيَّة من خلالِ طرحِ الأَسئلةِ الصَّعبةِ والمُعقَّدةِ والتي تنطلقُ من خارجِ فضاءاتِ المألوف والمُعتاد حتَّى قيلَ [أَنَّ فرضَ المحالِ ليسَ بمحالٍ] وهي قاعدةٌ منطقيَّةٌ وفقهيَّةٌ تعني أَنَّهُ يجوزُ ذهنيّاً إِفتراضَ وقوعِ أَمرٍ مُستحيلٍ أَو مُمتنعٍ في الواقعِ بغرضِ توضيحِ فكرةٍ أَو بناءِ دليلٍ أَو اختبارِ لازمٍ عقليٍّ فالإِفتراضُ والتخيُّلُ للشَّيءِ المُستحيل في الذِّهنِ ليسَ مُستحيلاً بحدِّ ذاتهِ وهوَ أَداةٌ لإِثارةِ العقلِ والتَّفكيرِ.

  فضلاً عن ذلكَ فإِنَّهم يبدُونَ استعداداً مُنقطعَ النَّظيرِ للثَّباتِ على أَسئلتهِم والتَّضحيةِ من أَجلِ ذلكَ أَو أَنَّهم يفشلُونَ في تركِ أَيَّةِ بصمةٍ علميَّةٍ ومعرفيَّةٍ في مجالِ اختصاصهِم، لأَنَّ البصمةَ نتاجٌ خارِجُ المألوفِ واجتهادٌ متميِّزٌ واستثنائِيٌّ.

  ولهذا السَّبب نُلاحظ أَنَّ المُتنوِّرينَ على مرِّ تاريخِ البشريَّة تعرَّضُوا لكُلِّ أَنواع التَّعذيب النَّفسي والجسَدي أَقلَّهُ إِتِّهامهُم بالهرطقةِ في العصُورِ الوُسطى المُظلِمةِ [عصُور التخلُّفِ] وبالتَّكفير والخرُوج عن الدِّينِ والمذهبِ في العصورِ المُتأَخِّرة، لماذا؟! لمجرَّد أَنَّهم بدأُوا تفكيرهُم ومسيرتهُم البحثيَّة بطرحِ سُؤَال خارجِ المألوف ولم يسبقهُم لهُ أَحدٌ!.

  وفي القرآن الكريم فإِنَّ الأَسئلةَ من نوعٍ آخر ليسَت مألوفةً لأَنَّ الهدفَ منها ليسَ التَّدجينُ وإِنَّما هوَ خلقُ الأَجواءِ السَّليمةِ والصَّالحةِ لتحقيقِ العصفِ الفكري، فالتَّنميةُ البشريَّةُ تحديداً لا تتحقَّقُ بأَسئلةٍ مألوفةٍ أَبداً.

  ٢/ المُهمُّ في الأَسئلةِ أَن يتحمَّلَ السَّائِلُ مسؤُوليَّتها، بمعنى آخر أَن يكونَ الهدفُ من طرحِها هوَ التَّفكيرُ العميقُ والبدءُ برحلةِ البحثِ العلمي الحقيقيَّةِ وليسَ لإِثارةِ الشُّكوكِ والنَّعراتِ والفِتنِ، فتلكَ أَسئلةٌ تافهةٌ لا تُنتجُ عصفاً فكريّاً ولا تقودُ لنهضةٍ علميَّةٍ أَبداً.

  أَسئِلةٌ تقودُ أَجوبتُها المُجتمعَ إِلى الأَمامِ ولا تدفعهُ القهقرى!.

فالأَسئلةُ على نَوعَينِ؛ مُنتجٌ ومُستهلكٌ وفي الحالتَينِ ينبغي أَن يتحمَّلَ صاحبُها المسؤُوليَّةً كاملةً.

  أَي أَن يتعاملَ السَّائلُ بمسؤُوليَّةٍ سواءً كانَ السُّؤَالُ لغرضِ البحثِ والتَّحقيقِ أَو بإِنتظار الحصُول على إِجابتهِ ممَّن يوجَّهُ لهُ السُّؤَالُ، فلا ينبغي أَن يكونَ السُّؤَالُ عبثيّاً طوباويّاً أَو سؤَالاً معَ شرُودِ الذِّهنِ!.

  ولذلكَ نلاحظُ في سيرةِ ونهجِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) أَنَّهُ لم يردَع أَو ينهَر سائِلاً قطُّ ولم يرفُض الإِجابةَ على سُؤَالٍ أَبداً مهما كانَ السُّؤَالُ قاسياً ومُؤلماً مازال هو في مجالِ العقلِ والمنطقِ فلقد قِيلَ إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ حَوْطٍ أَتَاه فَقَالَ؛ أَتَرَانِي أَظُنُّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ؟!.

  والسُّؤَالُ في جوهرهِ تشكيكٌ بشرعيَّةِ الحربِ التي اتَّخذ قرارَها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) ضدَّ أَصحابِ الجملِ في البصرةِ الذينَ جرجرُوا معهُم [أُمَّ المُومنينَ عائِشة بنت أَبي بكر] كما يصفُ ذلكَ (ع) بقولهِ {فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّه (ص) كَمَا تُجَرُّ الأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّه (ص) لَهُمَا ولِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَه فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وطَائِفَةً غَدْراً فَوَاللَّه لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلَا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشُِ كُلِّهُ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْه بِلِسَانٍ ولَا بِيَدٍ، دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ!}.

  لم يغضَب أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) للسُّؤَال ولم ينفجِر بوجهِ السَّائل أَو يقيمُ عليهِ الحدَّ أَو يُشكِّكَ بنواياهُ أَبداً وإِنَّما ردَّ عليهِ بالعقلِ والمنطقِ والحكمةِ فَقَالَ (ع) {يَا حَارِثُ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ ولَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاه ولَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاه! فَقَالَ الْحَارِثُ فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ مَالِكٍ وعَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ فَقَالَ (ع) {إِنَّ سَعِيداً وعَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ ولَمْ يَخْذُلَا الْبَاطِلَ}.

  تأسيساً على كلِّ ذلكَ؛ إِذا أَردنا أَن نساهمَ في بناءِ جيلٍ سويِّ العقل وفي طريقةِ التَّفكيرِ والفَهمِ ينبغي أَن نُجرِّأَهُ على طرحِ السُّؤالِ ونفسحَ لهُ المجالَ للسُّؤالِ منذُ الصِّغرِ ونعلِّمهُ كيفَ يسأَل ولِمَن يسأَل ونجيبهُ على أَسئلتهِ حسبَ قُدرتهِ على الإِستيعابِ.

  أَن يسأَلَ الطِّفلُ أَباهُ في وجههِ، مهما كانَت طبيعةُ سؤَالهِ قاسياً أَو غريباً ليتلقَّى منهُ الجوابَ السَّليم أَفضل بكثيرٍ من أَن يسأَلَ الغُرباءَ في ظهرهِ فقد يتلقَّى منهُم جواباً سيِّئاً يكونُ سبباً لانحرافهِ أَو في بعثرةِ عقلهِ وتفكيرهِ!.