عاشُورْاءُ.. السّنَةُ الثّالثةَ عشَرَة - الجزء الأخير - حُسَينٌ منِّي
منَ المبعثِ النبويِّ الشَّريف إِلى عاشوراء مروراً بالهجرةِ النبويَّةِ الشَّريفةِ والغَديرِ الأَغرِّ ورِحلةِ الرَّسول الكَريم (ص) يمتدُّ [الصِّراط المُستقَيم] ليرسمَ للبشريَّةِ المُبتدأ والمُنتهى من فلسفةِ الخلقِ والحياةِ والبَلاءِِ والتَّنافُسِ والذي تلخِّصهُ الآية الكَريمة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
وتبدأُ كرامةُ الإِنسانِ من لحظةِ الولادةِ [عن رسولِ الله (ص) {من حقِّ الولدِ على والدهِ أَن يُحسِنَ إِسمهُ}] لِما للإِسمِ من عِلاقةٍ مُباشِرةٍ بالكرامةِ، وانتهاءً بآخرِ لحظةٍ من حياتهِ، عندَ المَوتِ [إِكرامُ الميِّتِ دفنهُ].
ولتوكيدِ وحدةِ الخطِّ والرِّسالةِ جاءَ حديثُ رسولِ الله (ص) بحقِّ الحُسين السِّبط الشَّهيد (ع) {حُسينٌ منِّي وأَنا من حُسينٍ أَحبَّ اللهُ مَن أَحبَّ حُسينًا، الحسينُ سِبطٌ مِنَ الأَسباطِ} وبذلكَ قطعَ (ص) الشَّكَّ باليقينِ للذينَ في قلوبهِم مرضٌ من الذينَ يُحاولونَ على مرِّ التَّاريخِ وإِلى يومِنا هذا تبريرِ جريمةَ طاغية الشَّام يزيد في كَربلاء! إِلى جانبِ تبريرهِم التَّعامل بطائفيَّةٍ مع عاشوراء! وكأَنَّ تبنِّي كربلاء إِنحيازٌ للشِّيعةِ ضدَّ السنَّةِ!.
وبينَ اللَّحظتَينِ [الولادةُ والمَوتُ] تُلازمُ الكرامةُ حياةَ الإِنسانِ في كُلِّ مراحلِها، وهيَ قد تختلفُ بالمعاييرِ حسبَ الزَّمانِ والمَكانِ والمَرحلةِ العُمريَّةِ والمَوقعِ والشَّأنيَّةِ إِلَّا أَنَّها لا تختلفُ في الجوهرِ أَبداً، فالكرامةُ بجوهرِها تعني؛ شعُورُ الإِنسان بقيمتهِ وشرفهِ ليُعاملَ باحترامٍ وأَخلاقٍ.
وهي مُعادلةٌ بطرفَينِ، الأَوَّل هو الإِنسان الفَرد فالذي يحرَص على كرامتهِ يحترمُ ذاتهُ ويحمي شرفهُ وقيمتهُ الشخصيَّة في المُجتمعِ فيتصرَّف بأَخلاقٍ ويتفاعَل مع محيطهِ بحكمةٍ ويتعامَل مع الأَشياء بنزاهةٍ فيتَّصف بالأَخلاقِ الحميدةِ، خاصَّةً أَخلاقُ التَّعامُلِ، التي تجعلهُ جديراً بالإِحترامِ فيحمي بذلكَ كرامتهُ، وهيَ، كذلكَ، حقُّ الفردِ في أَن تكونَ لهُ قيمةً وأَن يُحترَم لذاتهِ وأَن يُعاملَ بطريقةٍ أَخلاقيَّةٍ!.
الطَّرفُ الثَّاني من المعادلةِ هو المُجتمع الذي يجبُ أَن يتعاملَ مع كُلِّ فردٍ فيهِ بإِنسانيَّةٍ فلا تُنتقَصُ إِنسانيَّةُ أَحدٍ في المُجتمعِ ولا يتمُّ التَّجاوزُ على حقُوقهِ وقيَمهِ وعقائدهِ بشكلٍ منَ الأَشكالِ ما لم تتعارَض وتتقاطَع مع الثَّوابت العامَّة التي يحترِمها الأَغلبيَّة ولا تُسحقَ حقوقهِ بذرائعَ شتَّى!.
هذان الطَّرفان من المعادلةِ يبنيانِ حقيقةً في غايةِ الأَهميَّةِ وهيَ؛ أَنَّ كرامةَ المُجتمعِ من كرامةِ الفردِ والعكسُ هو الصَّحيح فكرامةُ الفردِ من كرامةِ المُجتمعِ، فلا يمكنُ أَن نتخيَّلَ مُجتمعاً كريماً أَفرادهُ أَذلَّاء لا كرامةَ لهُم، كما لا يمكنُ أَن نتصوَّرَ فرداً يعيشُ بكرامةٍ وعزَّةٍ في مُجتمعٍ ذليلٍ مُتهافتٌ يصفِّقُ للفاسدِ ويصرخُ بشعارِ [عَلي وياك عَلي]!.
طبعاً؛ هذا لا يعني أَن يُفرِّطَ الفَردُ بكرامتهِ وبعزَّتهِ إِذا رأى المُجتمعَ الذي يعيشُ في كنفهِ ذليلٌ مُهانٌ مُتهافتٌ، أَبداً، فحفظُ كرامةِ الفردِ في المجتمعِ الذَّليلِ واجبٌ بكُلِّ المعاييرِ ففي الحديثِ عن رسُولِ الله (ص) {لا يَنبغي للمُؤمنِ أَن يذِلَّ نفسَهُ} والله تعالى يقولُ {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} والحسينُ السِّبطُ (ع) يقولُ {أَلا وأَنَّ الدَّعي إِبن الدَّعي قد ركزَ بينَ اثنتَينِ بينَ السلَّة والذلَّة وهَيهات منَّا الذلَّة يأبى الله لنا ذلكَ ورسولهُ والمُؤمنُونَ، وحجورٌ طابَت وطهُرت وأُنوفٌ حميَّةٌ ونفوسٌ أَبيَّةٌ من أَن نُؤثرَ طاعةَ اللِّئامِ على مصارعِ الكِرامِ} إِنَّما الكلامُ هُنا عن الحالةِ العامَّةِ التي تحكُم حالةَ المُجتمعاتِ.
ومن أَبرزِ مظاهرِ وتجلِّياتِ الكرامةِ الإِنسانيَّةِ هوَ أَن يعيشَ الإِنسانُ الفَرد والإِنسانُ المُجتمع الرَّفاهيَّة ورغَدَ العَيش فهي الأَصلُ الذي خلقَ الله تعالى لهُ وفيهِ عبادهُ والدَّليلُ قَولهُ تعالى {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}.
ولذلكَ فإِنَّ أَوَّلَ ما يسلبَهُ الظُّلمُ من الإِنسانِ هوَ [رغَدُ العَيشِ]!.
ومن بينِ أَخطرِ الذينَ ينتهِكُونَ الكرامةَ الإِنسانيَّةَ هو المسؤُول الذي يتصدَّى لموقعٍ ما ولمسؤُوليَّةٍ عامَّةٍ، سواءً كانَ حاكماً أَعلى في البلادِ أَو مسؤُولاً صغيراً في الدَّولةِ، ولذلكَ ينبغي مُراقبةَ الذينَ يتسنَّمُونَ مواقعَ المسؤُوليَّةَ، كبُرت أَو صغُرت، لأَنَّهم من أَشدِّ النَّاسَ ابتذالاً في سحقِ الكرامةِ الإِنسانيَّةِ وعلى [٣] مُستويات؛
١/ التَّجاوزُ على كرامةِ الموقعِ الذي يتصدَّى لهُ ويشغلهُ، بالخِيانةِ تارةً وبعدمِ أَحقيَّتهِ في إِشغالهِ والنزوِّ عليهِ على حسابِ الأَكفأ والأَقدرِ تارةً أًخرى!.
٢/ التَّجاوز على كرامتهِ كإِنسانٍ عندما يعتدِي على الحقِّ العامِّ والمالِ العامِّ والوقتِ الذي تعاقدَ عليهِ مع الدَّولة حسبَ القوانين النَّافذة!.
٣/ التَّجاوز على كرامةِ المُواطن عندما يتعامَل معهُ لا بصفتهِ موظَّف عندهُ بأَجرٍ وإِنَّما بصفتهِ صاحبَ فضلٍ عليهِ إِن شاءَ فعلَ وإِن شاءَ أَمسكَ!.
والمسؤُول الفاسِد يتجاوَز على كرامةِ المَوقعِ وعلى كرامتهِ هوَ شخصيّاً وعلى كرامةِ المُواطن في آنٍ واحدٍ، ولذلكَ يلزَم فضحهُ وتعرِيتهُ كما فعلَ الحُسين السِّبط (ع) عندما فضحَ الطَّاغية الأَرعن يَزيد بقولهِ {إنَّا أهلُ بيتِ النبوَّةِ ومعدِنُ الرِّسالةِ ومُختلَفُ الملائكةِ ومحلُّ الرَّحمةِ بنا فتحَ اللهُ وبنا يختِمُ ويزيدٌ رجلٌ شاربٌ للخمُورِ وقاتِلُ النَّفسِ المُحرَّمةِ مُعلنٌ بالفسقِ والفجُورِ ومثلي لا يبايعُ مثلهُ}.
إِنَّ المسؤُولَ الفاسِدَ لا كرامةَ لهُ!.
ولذلكَ يمكنُ اعتبارَ عاشوراء إِصلاحٌ يبدأُ من قمَّةِ الهرمِ [الحاكِم المسؤُول] إِذ لا يمكنُ أَن نتخيَّلَ أَبداً مُجتمعاً كريماً إِذا كانت السُّلطةَ ذليلةً مَهانةً أَو أَنَّها تُمارسُ الذُّلَّ معَ المُجتمعِ.
إِنَّ رسالةَ السَّماءِ واحدةٌ على اختلافِ الأَديانِ وهيَ؛ حمايةُ كرامةِ الإِنسان كإِنسانٍ ولذلكَ يلزَم الجَهر بالقَولِ والتمرُّدِ على كُلِّ ما يمنَع تحقيقِ هذهِ الرِّسالة أَكانَ قانوناً أَو سلوكاً أَو منهجاً أَو سياسات أَو أَشخاص أَو أَيِّ شيءٍ آخرَ.
فكانت كربلاء وكانت عاشُوراء وكان الحُسين السِّبط (ع).