مقيمون عراقيون من لندن الى كربلاء :مسيرة اربعون عاما من احياء الشعائر وخدمة الزائرين بين العراق وانكلترا

تقارير 04 August 2026
تلعب الاقدار والتخطيط الالهي دورا كبير في صنع مسيرة حياة الناس منفردين او مجتمعين، وللكربلائيين المتعلقين بالقضية الحسينية وشعائرها وخدمتها تعلقا فريدا من نوعه، فهم اينما ذهبوا تجدهم اشد حرصا على احياء تلك القضية وهي موجودة في جيناتهم ورضعوها من حليب امهاتهم، ومنهم الذي هاجروا منذ عقود طويلة الى اوروبا ودول اخرى، وخصوصا الذين توطنوا في انكلترا، حيث باشروا قبل (40) عاما بافتتاح حسينية في شقة صغيرة بإحدى ضواحي العاصمة الانكليزية لندن لتصبح مشعلا ومنارا يجمع محبي اهل البيت وتنطلق منها انواع الفعاليات التي تقيم العزاء وتحيي الشعائر وتنظم المسيرات الكبيرة التي نورت بصائر الكثير من العرب والاجانب ودلتهم على طريق الامام الحسين (عليه السلام) وفي مقدمتهم موكب "حسينية الرسول الاعظم "لاهالي كربلاء المقيمين في لندن.

تاريخ مشرف

وجلس "محمـد الكرخي" احد كفلاء الموكب امامنا ليسرد لوكالة نون الخبرية تاريخ موكبهم وكيف تأسس وخدماته عبر اربع عقود من الزمن وهو الذي غادر العراق في عام (1991) بعد ان شارك في الانتفاضة الشعبانية ضد الطاغية المقبور وزبانيته وحكم عليه وعلى جميع افراد عائلته غيابيا بالإعدام واعدم اخوه ميدانيا بدون محكمة قائلا ان" الحسينية تأسست في منطقة"كركل وود" (Cricklewood)، في العاصمة الانكليزية "لندن" في العام (1986)، على يد عدد من الرعيل الاول ومنهم معتمد المرجعية الدينية العليا "الحاج راضي"، وطالب الحوزة الدينية المرحوم "الشيخ الغروي"، وكانت البداية من خلال تأجير شقة سكنية تقام فيها الصلاة والعبادات، اما في ايام شهر محرم الحرام وبسبب زيادة اعداد الحاضرين لجأوا الى تأجير قاعة كبيرة في مدرسة بعد الدوام الرسمي عند الساعة الثالثة عصرا فيقومون بنقل الفرش والمعدات والمستلزمات التي يحتاجونها في اقامة المحاضرات الدينية والعزاء الحسيني مثل السجاد، والصوتيات، والمنبر، ويبدأ المجلس في الساعة السابعة مساء وينتهي عند التاسعة مساء، وتوزع فيه وجبة طعام للمعزين يتم طبخها في مكان آخر، فيقومون بنقل الاغراض الى المخزن مرة اخرى طوال (10) ايام وتهيئة المدرسة للدوام الصباحي، وكان حضور المشاركين بالعزاء محدود بالعشرات".

 

انتقالة جديدة

بعد عقد من احياء الشعائر زاد عدد المشاركين بالعزاء الحسيني ولم تعد القاعة المدرسية تتسع للحاضرين وعن الحل يقول "الكرخي" ان" اعداد المعزين تضاعفت الى اضعاف ما كنت عليه وفي العام (1997) قامت ادارة الحسينية ببيع الشقة وشراء بناية جديدة خصصت للحسينية في منطقة "إجور رود" (Edgware Road)، المعروف بـ شارع العرب في لندن، وهي تبعد قليلا عن مركز المدينة وتبلغ مساحتها (1800) متر مربع، وبقينا نحيي الشعائر فيها طيلة (15) عاما وتربت فيها اجيال من ابنائنا وبناتنا فيها، وقد اعطتنا المساحة الكبيرة فسحة من زيادة الفعاليات المقامة فيها مثل ايجاد مدرسة تدرس اللغة العربية والقرآن للاطفال كل يوم أحد، وكذلك اقامة محفل قرآني كل يوم ثلاثاء، واحياء جميع مناسبات ولادات وذكرى استشهاد الائمة الاطهار، وصارت دعوات لخطباء منبر ورواديد حسينيون مشهورين فيها مثل الحاج "باسم الكربلائي"، و"علي باشا"، حتى تجاوز عدد المشاركين في العزاء الحسيني اكثر من (3000) شخص، من الرجال والنساء اللواتي يخصص لهن حيز من مساحة الحسينية"، منوها الى ان" الحضور في الايام الستة الاولى من المحرم من العراقيين المقيمين في لندن، ومن السابع الى العاشر يأتون ايضا من مدن اخرى، ويشاركون في شعائر العزاء مثل المحاضرات الدينية ومجالس اللطم ومشاعل النار والتطبير، وكان من بين الحضور مواطنون من البحرين لم يكن لديهم حينها مواكب حسينية، ويشاركوننا في اقامة العزاء وحتى كان رواديد منهم يقرأون على المنبر، واستقطبت الحسينية الكثير من جنسيات اخرى ومنهم من اعلن اسلامه وتشيع من المواطنين الانكليز والافارقة، بعد ان شاهدوا المسيرات والشعائر وتولد في داخلهم اسئلة عند الاجابة عليها تولدت القناعة عندهم لان الاجنبي ليس بالسهولة عليه تغيير عقيدته او طريقة تفكيره".

 

مطبوعات ولغات

فعالية اخرى مهمة تتعلق بالتوعية الفكرية والارشاد وبيان مظلومية الامام الحسين (عليه السلام) يقول عنها ان" من بين فعاليتنا طبع كراسات توعوية باللغة الانكليزية، كما يلقي الخطيب السيد "علي النواب" الطالب الحوزوي الذي كان طفلا يحضر الى العزاء وتدرج حتى صار استاذا محاضرات باللغتين الانكليزية والعربية"، لافتا النظر الى ان "اهالي كربلاء لديهم تعلق غريب بالقضية الحسينية وشعائرها، وهذا ما لمسناه في اولادنا الذين ولدوا في "لندن" ولديهم ارتباط بشكل لا يصدق بكربلاء الشهادة، وكأنها تناقلت في الجينات" مشيرا الى ان" المقيمين في لندن عندما زالت الغمة عن العراق جاؤوا في الزيارات المليونية ووجدوا الخدمات لا تصدق فصار القرار ان نركز على احيائها في "لندن"، فاستمرينا على الحضور في المسيرة الراجلة التي تقام في "لندن" في العاشر من المحرم، وتتخللها فعالية توزع فيها منشورات باللغة الانكليزية تشرح ثورة الامام الحسين (عليه السلام) ومظلوميته للذين يقفون يشاهدونها وهم من جنسيات وقوميات، واديان كثيرة، وتأثر الكثير منهم وحصل الاستقطاب لهم، ويصل عدد المشاركين في مسيرة العاشر من المحرم في العاصمة "لندن" حوالي (10000) مشارك، وفي يوم الاربعينية تكون المسيرة اكثر عددا من العاشر حتى وصل العدد الى (50000) الف مشارك، ويحضرها اتباع اهل البيت من العراقيون، والايرانيون، والباكستانيون، والهنود، والعرب، وهي مسيرات مجازة من قبل السلطات الانكليزية وتوفر لها تسهيلات وحماية".

 

في كربلاء

اما بشأن ما يقدمونه من خدمات في مدينتهم الام كربلاء المقدسة فيقول "الكرخي" ان" الموكب نصبناه في مدينة كربلاء المقدسة في العام (2020)، في وقت حلول جائحة فايروس "كورونا" وكان السفر من لندن الى كربلاء صعب جدا والحذر ومنع التجوال سيد الموقف، بعد ان جلسنا نحن اربعة من المقيمين في "لندن" وكانت الفرصة سانحة لان الكثير من المواكب لم يستطع اصحابها الوصول الى مدينة كربلاء المقدسة، وتأسس الموكب وانطلقت خدماته في شارع القزوينية، ووزعنا وجبات الطعام بمعدل (500 ــ 1000) وجبة في الصباح، والظهر، والعشاء، ومنشورات توعية صحية عن وجوب اتخاذ التدابير الوقائية من الفايروس، وضرورة ارتداء الكفوف والكمامات، وفي يوم الاربعين حينها شارك موكبنا الموكب من (150) معزي في النزول بموكب في شوارع المدينة القديمة والعتبتين المقدستين وما بين الحرمين، وقبل سنتين انتقلنا الى شارع قبلة الامام الحسين (عليه السلام)، بعد ان تمكن صاحب الدار التي كنا ننصب الموكب فيها بشارع القزوينية من شراء هذا الفندق الذي ننصب فيه موكبنا ومنحنا فرصة الخدمة هنا، وهنا المساحة وواجهة الموكب اكبر ما وفر لنا فرصة لزيادة الخدمات، والشارع رئيسي متصل بالعتبة الحسينية وفيه زخم بشري مستمر، وهنا قررنا ان نوزع وجبة واحدة نطبخ فيها الف دجاجة ونقسم الواحدة على اربعة اقسام لتطعم (4000) زائر يوميا، ونوزعها من بعد صلاة المغرب لحين ما تنتهي الوجبة بالكامل، وكذلك نوزع في يوم آخر شاورمة الدجاج، واليوم وزعنا تمن الباقلاء مع الدجاج، وغدا دجاج وتمن زرشت، وفي يوم الاربعين نوزع وجبة من (4000) حصة برياني اللحم، كما نوزع الماء (24) ساعة ومجموعة من العصائر، وبعد ان كبر ابنائنا وتصدوا هم للخدمة واصبحنا مشرفين، ومن البداية بأربع اشخاص الى (200) خادم حاليا، كما يشاركنا الخدمة اصدقاء من بغداد يغلقون ابواب ارزاقهم ويستمرون معنا طيلة ايام الخدمة، كما يشارك معنا في الخدمة ايرانيون ولبنانيون مقيمون في "لندن"، ومن الخدام اصحاب شهادات عليا واكاديميين وخاصة ابنائنا الشباب الذين نصبوا موكبا ثانيا في منطقة باب بغداد".

 
قاسم الحلفي ــ كربلاء المقدسة
تصوير عمار الخالدي