التسوية المالية في جرائم المال العام - الجزء الأول
لم يعد النظر إلى جرائم المال العام مقصورًا على أثرها الجزائي المتمثل في العقوبة، وإنما اتسع ليشمل أثرها المالي بوصفه جوهر الاعتداء وموضع الحماية، فالمال العام لا تحميه العقوبة وحدها إذا بقي الضرر قائمًا، ولا يتحقق الردع الكامل إذا انفصلت المساءلة الجزائية عن واجب الاسترداد، ومن هنا جاءت التسوية المالية في جرائم المال العام لتؤدي وظيفة محددة تتمثل بـ ( إعادة المال إلى ذمة الدولة بعدها الجهة المتضررة) لا منح المتهم أو المحكوم طريقًا آليًا للإفلات من آثار الجريمة او ثمرتها ان صح التعبير.
وقد ازداد هذا الموضوع أهمية بعد صدور القانون رقم (2) لسنة 2025، التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016، إذ ربط المشرّع بين إمكان الشمول بالعفو في جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام وجرائم الفساد المالي والإداري، وبين تسديد ما بذمة المشمول من أموال بإجراء تسوية مع الجهة المتضررة تضمن استرداد الأموال العامة وتسديد المبلغ كاملاً وفقا للقانون وعليه، فإن التسوية المالية لا تُفهم بوصفها صلحًا مجردًا، ولا تنازلاً عن الحق العام، وإنما بوصفها شرطًا قانونيًا منضبطًا لاسترداد المال العام قبل ترتيب أثر العفو، متى كانت الجريمة داخلة في النطاق الزمني والموضوعي لقانون العفو وللوقوف على ذلك بشيء من التفصيل يتحتم علينا بيان الاتي:
أولاً: مفهوم التسوية المالية المقصودة
التسوية المالية المقصودة في جرائم المال العام ليست اتفاقًا رضائيًا مطلقًا بين المتهم والجهة المتضررة، بل هي إجراء قانوني غايته استرداد المال العام كاملاً، فالجهة الحكومية لا تتعامل مع مال تملكه ملكية خاصة، وإنما تتعامل مع مال مخصص للمصلحة العامة، ومن ثم لا تملك التفريط به أو الاكتفاء بتنازل شكلي أو تعهد غير منتج، وقد عبّر التعديل الثاني لقانون العفو العام عن هذا المعنى حين اشترط أن تكون التسوية مع الجهة المتضررة ضامنة لاسترداد الأموال العامة، وهذا الشرط يكشف أن مناط الشمول ليس مجرد وجود ورقة تسوية، بل تحقق أثرها المالي الفعلي أو القانوني المؤدي إلى إعادة المال العام.
ومن ثم ينبغي التمييز بين ثلاثة حالات: حالة التسديد الكامل، وهي أوضح صور تحقق الشرط؛ وحالة التسوية القانونية التي تضمن استرداد كامل المبلغ وفق آلية معتمدة من الجهة المتضررة؛ وحالة التعهد أو الاتفاق غير المضمون، وهذه لا تكفي وحدها لترتيب أثر العفو، فالتسوية لا تكون منتجة إلا إذا كانت محددة المقدار، صادرة عن الجهة المختصة، ومؤدية إلى ضمان استرداد المال العام.
كما أن نظر طلب الشمول بالعفو في سنة 2026 لا يمنع من تطبيق القانون متى كانت الجريمة واقعة قبل نفاذ التعديل الثاني، لأن العبرة بتاريخ وقوع الجريمة لا بتاريخ نظر الطلب، فقد نص التعديل على سريان أحكام قانون العفو العام وتعديلاته على الجرائم الواقعة قبل نفاذ هذا التعديل، كما نص على نفاذه من تاريخ التصويت عليه في مجلس النواب بتاريخ 21/1/2025.
ثانيًا: اتجاهات محكمة التمييز الاتحادية
اتجهت محكمة التمييز الاتحادية إلى ضبط تطبيق العفو في القضايا ذات الأثر المالي، ومنعت التعامل مع الشروط المالية بوصفها مسائل شكلية يمكن تجاوزها ويمكن معرفة ذلك من خلال قراراتها المتصلة بالموضوع، ففي قرارها المرقم 1035/الهيأة الموسعة الجزائية/2017 الصادر في 31/7/2017، قررت المحكمة أن تطبيق قانون العفو العام يقتضي مراعاة شروط التنازل وتسديد الالتزامات المالية، وأن مخالفة هذه الشروط تخل بصحة قرار الشمول بالعفو، وأهمية هذا القرار أنه قرر قاعدة عامة مفادها أن العفو لا يطبق بمجرد الطلب، بل بعد التحقق من الشروط التي أوجبها القانون، ومنها الالتزامات المالية.
ثم جاء القرار المرقم 4772/4770/الهيئة الجزائية/2025 الصادر في 10/3/2025 ليضع تطبيقًا أكثر قربًا من جرائم المال العام، إذ قررت محكمة التمييز الاتحادية وجوب تحقق المحكمة من الممثلين القانونيين للجهات الحكومية المتضررة من الجريمة، وبيان ما إذا كان المتهمون قد سددوا الضرر في حال وجوده، ومعرفة ما إذا كانت هناك أطراف مدنية متضررة قبل تقرير الشمول بالعفو، وهذا القرار يمنع الشمول الآلي، ويجعل التحقق من الضرر والجهة المتضررة والتسديد مرحلة لازمة تسبق قرار العفو.
أما القرار المرقم 16976 /الهيئة الجزائية/2025 الصادر في 19/8/2025، فيُعد من أوضح القرارات في موضوع التسوية المالية؛ إذ قررت المحكمة أنه عندما يتعلق موضوع الدعوى بجريمة الإضرار بالمال العام وينتج عنها هدر للمال العام، فإن المقتضى القانوني يوجب على اللجنة المركزية المختصة بتطبيق قانون العفو العام مفاتحة الجهات ذات العلاقة، والتحقق من تسديد قيمة الضرر المادي أو إجراء تسوية مالية بشأنه وفقًا للقانون، ثم اتخاذ القرار المناسب بشأن شمول المحكوم بالعفو من عدمه.
ومن مجموع هذه القرارات يتضح أن الاتجاه التمييزي يقوم على أربع ركائز: تحديد الجهة المتضررة، تحديد مقدار الضرر، التحقق من التسديد أو التسوية، ثم إصدار القرار بشأن الشمول بالعفو، وبذلك لا تكون التسوية سببًا مباشرًا لإخلاء السبيل، بل شرطًا لازمًا يسبق بحث الشمول، أما الأثر النهائي فيبقى مرهونًا بقرار الجهة المختصة واكتسابه الدرجة القطعية.
ثالثًا: العفو العام والعفو الخاص في جرائم المال العام
ينبغي عدم الخلط بين العفو العام والعفو الخاص، فالعفو العام يصدر بقانون، ويحدد المشرّع نطاقه وشروطه وآثاره، ولذلك أمكن للتعديل الثاني لقانون العفو العام أن يفتح باب بحث الشمول في جرائم المال العام والفساد المالي والإداري متى تحققت التسوية التي تضمن استرداد المال العام كاملاً، وكانت الجريمة واقعة قبل نفاذ التعديل، أما العفو الخاص فهو صلاحية دستورية لرئيس الجمهورية، يمارسها بتوصية من رئيس مجلس الوزراء، غير أن المادة (73/أولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وضعت قيدًا صريحًا على هذه الصلاحية، إذ نصت على إصدار العفو الخاص باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والإرهاب والفساد المالي والإداري.
وتأسيسا على ما ورد أعلاه ... يتضح إن التسوية المالية في جرائم المال العام ليست طريقًا لمحو الجريمة، ولا وسيلة لتعطيل الردع الجزائي، وإنما هي آلية قانونية لاسترداد المال العام ضمن شروط محددة، وقد أحسن المشرّع حين ربط الشمول بالعفو في هذه الجرائم بتسديد الأموال أو إجراء تسوية تضمن استردادها كاملة، كما أحسنت محكمة التمييز الاتحادية حين جعلت التحقق من الضرر والجهة المتضررة والتسديد أو التسوية شرطًا سابقًا على تقرير الشمول بالعفو، فإن الاتجاه القضائي المستقر يقرر أن العفو لا يُفترض، وأن التسوية لا تُقبل بصورة شكلية، وأن حماية المال العام تظل قائمة حتى عند بحث الشمول بالعفو العام.