المسؤولية القانونية عن التصريحات الرسمية غير الدقيقة في التشريع العراقي

مقالات 10 July 2026
بقلم: القاضي أريج خليل

اثارت مؤخرا "منصة قانونجي" تساؤلا قانونيا مهما حول مدى مسؤولية الجهة أو المسؤول الذي يدلي بتصريحات رسمية امام الإعلام ثم يتبين لاحقاً عدم دقتها، وما إذا كان ذلك يستوجب مساءلة قانونية من عدمه، لاسيما عندما تترتب على تلك التصريحات آثار تمس المصلحة العامة أو تؤثر على ثقة المواطن بالمؤسسات.

والتصريحات المقصودة هنا هي كل بيان أو معلومة أو إعلان يصدر عن موظف عام أو مسؤول حكومي أو متحدث رسمي بصفته الوظيفية، ويتضمن معلومات غير صحيحة أو ناقصة أو مضللة بشأن واقعة أو قرار أو سياسة عامة، حيث تمثل التصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين الحكوميين مصدراً مهماً للمعلومات التي يعتمد عليها المواطنون ووسائل الإعلام في تكوين آرائهم واتخاذ قراراتهم، سواء صدرت منهم مباشرة أو عن طريق الناطق الرسمي الخاص بالجهات الحكومية التي يترأسونها، وعندما تكون هذه التصريحات غير دقيقة أو مضللة أو مخالفة للواقع، فإنها قد تؤدي إلى أضرار مادية أو معنوية أو إلى زعزعة الثقة بالمؤسسات العامة، لذلك تبرز أهمية البحث في الأساس القانوني لمسؤولية الجهة أو الشخص الذي يصدر تصريحات رسمية غير دقيقة في التشريع العراقي.

ورغم عدم وجود نص صريح يعالج هذه المسؤولية، إلا أنه يمكن تأسيسها على مجموعة من القواعد القانونية العامة حيث تترتب المسؤولية الانضباطية عندما يخضع الموظف العام لأحكام قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991، والذي يفرض على الموظف أداء واجباته الوظيفية بأمانة وصدق والمحافظة على كرامة الوظيفة العامة، فإذا أدلى الموظف أو المسؤول بتصريحات غير صحيحة أثناء ممارسته وظيفته، وكان ذلك ناشئاً عن الإهمال أو سوء التقدير أو مخالفة الواجبات الوظيفية، جازت مساءلته انضباطياً وفرض إحدى العقوبات التأديبية المقررة قانوناً.

أما المسؤولية المدنية فإنها تثار إذا ترتب على التصريح غير الدقيق ضرر للغير، وبأي شكل من الأشكال استناداً إلى أحكام هذه المسؤولية الواردة في القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951، والتي تتطلب توافر أركانها من خطأ وضرر والعلاقة السببية بينهما، فإذا تسبب تصريح رسمي غير صحيح في إلحاق ضرر مادي أو معنوي بشخص طبيعي او ضرر مادي باي مؤسسة من مؤسسات الدولة، جاز المطالبة بالتعويض وفقاً للقواعد العامة.

أما المسؤولية الجزائية فإنها تثار أيضاً حين تصل بعض التصريحات غير الدقيقة إلى مستوى الجريمة إذا اقترنت بسوء النية أو تعمد التضليل أو تزوير الحقائق مثلا قيام صاحب التصريح بنشر أخبار أو بيانات كاذبة تتعلق بالعمل او بسياسة المؤسسة التابع لها مع توافر أركان الجريمة المنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 والمتعلقة باستغلال الوظيفة العامة بقصد تحقيق منفعة أو إلحاق ضرر بالغير، وهذا ما نصت عليه المادة ٣٤١ من قانون العقوبات العراقي "يعاقب بالحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة تسبب بخطئه الجسيم في إلحاق ضرر جسيم بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها أو يتصل بها بحكم وظيفته أو بأموال أو مصالح الأشخاص المعهود بها إليه إن كان ذلك ناشئاً عن إهمال جسيم بأداء وظيفته أو عن إساءة استعمال السلطة أو عن إخلال جسيم بواجبات وظيفته"، أو قد ينسب الفعل إلى جرائم التزوير إذا استند التصريح إلى وثائق أو بيانات مزورة، أو من قبيل التزوير المعنوي في حالة جعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع العلم بتزويرها استناداً إلى أحكام المادة ٢٨٧ / ٢ / ب من قانون العقوبات العراقي.

غير أن التصريح إذا كان مبنياً على الخطأ غير العمدي أو التقدير الخاطئ لا يؤدي بالضرورة إلى قيام المسؤولية الجزائية ما لم يتوافر النص القانوني باعتباره الركن الشرعي والاركان الأخرى للجريمة.

في نفس الوقت لا يجوز أن تتحول المسؤولية القانونية إلى وسيلة لتقييد حرية الرأي والتعبير، لذلك يجب التمييز بين الخطأ الإعلامي الرسمي، وهو حالة يقدم فيها المسؤول معلومة ثبت لاحقاً عدم دقتها بسبب نقص المعلومات أو تغير الظروف أو خطأ غير مقصود، وبين التضليل الرسمي المتعمد، وهو تعمد المسؤول نشر معلومات يعلم بعدم صحتها أو إخفاء حقائق جوهرية بقصد التأثير في الرأي العام أو تجنب المساءلة، أو بقصد ترجيح كفة جهة سياسية معينة على أخرى، وتزداد جسامة المسؤولية القانونية في الحالة الثانية لأنها تمس مبدأ الشفافية والنزاهة الإدارية.

إن المسؤولية القانونية عن التصريحات الرسمية غير الدقيقة تمثل ضمانة أساسية لحماية الحقيقة وصيانة الثقة العامة، فحرية التعبير لا تنفصل عن واجب الدقة والصدق، وكلما ازداد التأثير السلبي للتصريح الرسمي على المجتمع ازدادت المسؤولية المترتبة على قائله، لذلك فإن بناء إعلام مسؤول يقتضي إرساء قواعد قانونية واضحة توازن بين حق الفرد في معرفة الحقائق وحقه في الحماية من المعلومات الخاطئة أو المضللة، فليست المشكلة في وقوع الخطأ الإعلامي وإنما في تحوله إلى معلومة عامة تؤثر في قرارات الناس وثقتهم بالمؤسسات وتربك هيبة الدولة.