كل هؤلاء الحرامية في بلد واحد ؟!
في أولى خطواتي مع قراءة الكتب، كنتُ مغرماً بكتب من نوعيّة "كيف تصبح مليونيراً"، و"دع القلق وابدأ الحياة"، وكانت كتب الأمريكي ديل كارنيجي في تلك الأيام تُعدُّ الأكثر مبيعاً، حتى أن العديد من دور النشر تُعيد طباعتها باستمرار، وكنت وأنا الصبي الصغير أسأل بيني وبين نفسي: هل يمكن لكتاب أن يجعل منك مليونيراً؟ وحين سألت صاحب المكتبة ذات يوم عن الكتاب، قال لي بلهجة ساخرة: هذه كتب بلا منفعة، هدفها المال، لكن بعد مرور سنين طويلة وحفظي لفقرات كاملة من كتاب "كيف تصبح مليونيراً" ما زلت أنتمي إلى طائفة الذين يتبخر منهم الراتب في أول أيام الشهر. وهناك أيضاً الكتب التي ترشد القرّاء كيف يؤثرون في الناس. فإذا كان المرء على موهبة مثل مثنى السامرائي أو عالية نصيف أو الحاج علي معارج؛ أسعفتهم في سعيهم وسهّلت أمامهم سبل الحصول على ملايين الدولارات.
في حكاية سرقات "صولة الفجر" شاهد المواطن المسكين الأموال وهي تستريح في قناني المياه أو تحت سيراميك الحمامات، واكتشفنا أن معظم السراق يخافون على أموالهم من عيون الشعب الحاسد والحاقد، فقرروا أن يدفنوها.
يضع أهل العلم والمال أحياناً كتباً عن تجربتهم المهنية، ويقدمون لنا ما يعتقدون أنها أفضل النماذج لتعليم الناس كيف يعيشون حياتهم بجدّ واجتهاد. قبل سنوات أصدر بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت كتابه "الطريق إلى الأمام"، ويروي لنا أنه عندما ذاعت شهرته وتضخمت ثروته فكّر طويلاً ثم قال لزوجته: لا بدّ من عمل يخلّصنا من عبء هذه الثروة، فقرّر تخصيص جزء كبير من ثروته لمساعدة المحتاجين حول العالم، لا لون ولا طائفة ولا هوية دينية للذين يتلقون المساعدات.
ستقولون: لقد صدّعتَ رؤوسنا بأحاديثك عن الكتب. ماذا أفعل يا سادة وأنا أجد الكثير من شُطّار الديمقراطية العراقية تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أصحاب مليارات، ودخلوا قائمة كبار الأغنياء؟.. هل شاهدت بيوت الصفيح التي تسكنها آلاف العوائل العراقية في بلد ميزانيته أكثر من مائة مليار دولار سنوياً؟، إن لم تشاهدها أتمنى عليك أن تشاهد قصور مسؤولينا الموزعة بين الجادرية والحارثية والمنطقة الخضراء.
لا يمرّ أسبوع من دون أن نقرأ أو نسمع عن سارق جديد، وكيف أن الدولة مهتمة باستعادة الأموال التي نُهبت في وضح النهار.. والأموال كما يعرف جنابكم الكريم تقترب من مئات المليارات من الدولارات، وفي كل مرة نسمع جعجعة ولا نرى طحناً حقيقياً على حد قول المرحوم شكسبير.
فالأبطال الكبار في ملف السرقات لا يزالون أحراراً يتمتعون بما لديهم من أموال وقصور، فيما فضائياتنا تعجّ وتضجّ بأناشيد عن النزاهة ومحاسبة الفاسدين، ومواقع التواصل الاجتماعي تعجّ أيضاً بحكايات من كل شكل ولون، فيما المواطن يسخر من نفسه ويقول :" كل هؤلاء الحرامية في بلد واحد؟! " .