خلف أسوار الموانئ والمنافذ: هل تنجح حركة التدوير في كسر طوق التهريب والفساد؟
إن ملف المنافذ الحدودية في العراق من الملفات المعقدة والحساسة، وكان تأخر إجراءات التدوير الوظيفي (نقل الموظفين والضباط بشكل دوري) يعود إلى تشابك المصالح والنفوذ، إذ لطالما كانت المنافذ الحدودية مناطق نفوذ لأطراف سياسية وجهات مسلحة تفرض هيمنتها على حركة البضائع والتهريب، مما جعل من الصعب اتخاذ قرارات تدوير شاملة من دون مواجهة ضغوط سياسية أو عرقلة مباشرة لهذه القرار.
وتقول الهيئة العامة للجمارك في العراق، إنها انجزت عملية نقل وإعفاء وتدوير مديري المراكز الجمركية والمناوبين لهم، التي جاءت بتوجيهات رئيس الوزراء علي الزيدي، بما في ذلك تدوير جميع العاملين في المنافذ الحدودية من دون استثناء وإلزام وزارة الداخلية بغلق جميع الثغرات والطرق النيسمية الحدودية البرية والبحرية مع تدوير جميع أمري الألوية والوحدات في قيادة قوات الحدود.
ويتساءل الناس، لماذا جرى التأخير بتلك الإجراءات في الوقت الذي كانت ترد تقارير عن استغلال النفوذ في التهريب واستغلال السيطرات النيسمية وسيطرات الطرق باتجاه المدن للسواق وابتزازهم؟
وبرغم المطالبات المتكررة تحت قبة البرلمان بضرورة التدوير، إلا أن الحكومات السابقة كانت تواجه صعوبة في تنفيذ قرارات جذرية نظرا لحساسية هذه المواقع كمراكز إيرادات مالية ضخمة، مما يجعل الإبقاء على شخصيات معينة لمدد طويلة هدفا لضمان الولاءات أو المصالح. وكان هناك نقص في تفعيل الأدوات الرقابية الحقيقية مثل أجهزة السونار المتقدمة، والربط الشبكي، والأنظمة الإلكترونية مثل "الأسيكودا" أي النظام الآلي لمعطيات الجمارك، وهو ما كان يمنح العاملين في المنافذ مساحة أكبر للمناورة والابتزاز من دون خوف من المحاسبة الرقمية.
ان التدوير يهدف أساسا إلى كسر الشبكات التي تتشكل في داخل المنافذ بين الموظفين، والتجار، والمهربين، وان استمرار تواجد الموظف في المنفذ ذاته لسنوات يخلق بيئة خصبة للابتزاز والتهريب، وهو ما حاولت الحكومة الحالية كسره بوساطة التوجيه الأخير.
ان التوجيهات التي أصدرها رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي جاءت ضمن حزمة إجراءات استثنائية فرضت مدة الـ 48 ساعة لمنع أي تدخلات أو صفقات قد تعقد لإيقاف قرارات النقل أو التدوير، بحسب المراقبين. والقرار شمل الجميع من دون استثناء، بما في ذلك تدوير أمري الألوية في قوات الحدود، وإعادة المنسبين لهيئة المنافذ إلى وزارة الداخلية، مما يهدف إلى تصفير شبكات النفوذ في تلك النقاط، وان الأجهزة الأمنية والاستخبارية باتت مسؤولة قانونا عن أي خلل أو تهريب في داخل المنفذ، بعد أن كانت المهام سابقا تتداخل وتضيع بين جهات متعددة.
وتضمنت الإجراءات الجديدة إلزام وزارة الداخلية بغلق جميع الطرق النيسمية (الطرق غير النظامية التي يستعملها المهربون لتجاوز السيطرات الرسمية). تاريخيا، كانت هذه الطرق، الثغرة الأكبر التي تسمح بمرور الشاحنات بعيدا عن أعين الجمارك، واستغلالها كان يجري تحت حماية نفوذ معين، وان التحول نحو "الرقمنة" لتقليل الاحتكاك البشري، وإعادة النظر في الفلسفة الأمنية المتبعة في داخل المدن يمثل احدى العلاجات الفاعلة.
ان الحل التقني بحسب المختصين هو الضمانة الوحيدة للنزاهة، وإن تقليل التعامل المباشر بين الموظف ورجل الأمن والتاجر والسائق هو السبيل الأسرع لقطع دابر الرشوة، كما ان تنشيط نظام "الأسيكودا" و تفعيل هذا النظام إلكترونيا وبشكل كامل في المنافذ كافة يقلل التلاعب في الرسوم الجمركية، كما يتوجب اللجوء الى التتبع الإلكتروني (GPS) بإلزام الشاحنات بأنظمة تتبع تربطها بمركز عمليات أمني مركزي، بحيث تعرف مساراتها منذ دخول المنفذ حتى وصولها للمخازن، مما يجعل انحرافها نحو طرق غير رسمية مرصودا على الفور.
ان التشريعات الحالية في العراق غالبا ما تفتقر للصرامة الكافية تجاه الابتزاز الوظيفي وان تواجد قانون خاص يجرم استغلال النفوذ في السيطرات ويعده خيانة للأمانة الوظيفية ويستوجب السجن المشدد، هو ضرورة ملحة، و ان إلغاء السيطرات هو طرح محل نقاش بين الخبراء الأمنيين والاقتصاديين، ويمكن تلخيص أبعاد هذا المقترح في ان إلغاء السيطرات يقلل بشكل هائل من تكاليف النقل (أجور السائقين، وقت الانتظار، والإتاوات غير القانونية)، مما ينعكس إيجابا على أسعار السلع للمستهلك، اذ ان السيطرات تحولت في كثير من الأحيان إلى مراكز تحصيل غير قانونية، وان إلغاءها يعني إغلاق هذه المنابع، و إنهاء حالة الخوف والترقب التي يعيشها السواق عند كل سيطرة.
وفي الجانب المقابل يرى قادة امنيون أن هذه السيطرات تشكل عمقا استخباريا مهما لضبط المطلوبين والمواد الممنوعة مثل المخدرات، والأسلحة على حد قولهم، ولكي يكون إلغاء السيطرات آمنا، يجب استبدالها بسيطرات ذكية تعتمد على كاميرات المراقبة والتعرف على لوحات السيارات بالذكاء الاصطناعي بدلا من التواجد البشري الكثيف.
إن الانتقال من الأمن القائم على التفتيش اليدوي والاحتجاز في السيطرات إلى الأمن القائم على المعلومات والتقنية هو التحدي الأكبر في العراق، ومن الواضح أن الفساد قد أسس لنفسه هيكلا موازيا بوساطة السيطرات التقليدية، وتفكيك هذا الهيكل يتطلب إرادة سياسية لتجاوز الجهات التي تستفيد من هذه السيطرات و استثمار تقني يعوض الحاجة للسيطرة البشرية، و تشريعات عقابية لا تحمي الموظف المبتز تحت غطاء الواجب الأمني.
في العراق تتواجد ما تسمى "المكاتب الاقتصادية" للأحزاب والمليشيات، وهي ليست مجرد أطراف خارجية، بل هي كيانات متغلغلة في داخل مفاصل الدولة، وتعمل على وفق منطق الاقتصاد الموازي الذي يعتاش على شلل الدولة الرسمي، وان محاولة الالتفاف على قرارات الحكومة مثل قرار التدوير الأخير، قد تجري عادة عبر سيناريوهات أصبحت معروفة، فعندما تصدر الحكومة قرارا بتدوير الضباط أو الموظفين، غالبا ما تقوم الأحزاب المتنفذة بنقل أتباعها من منصب إلى آخر في داخل المنظومة نفسها، أو استبدالهم بشخصيات "واجهة" لا تملك سلطة القرار الحقيقية، فيما يبقى مديرو الظل هم من يحركون الخيوط من خلف الستار.
وفي حال المساس بمصالح المكاتب الاقتصادية، تلجأ هذه الجهات إلى تصعيد التوتر الأمني أو خلق أزمات مفتعلة مثل قطع الطرق أو التظاهرات المأجورة، لإجبار الحكومة على التراجع أو تجميد قراراتها، كما يجري التذرع بالضرورات الأمنية والوضع الهش وهو السلاح الأكثر فاعلية لتعطيل القوانين، فبمجرد أن يجري وضع صبغة أمنية على موقع معين كأن يكون منفذا حدوديا أو سيطرة، يصبح من المحظور إخضاعه للرقابة المدنية أو التقنية، ويتحول إلى محمية مسلحة؛ و إذا كان رئيس الوزراء علي فالح الزيدي جادا في هذه الخطوات، فإن المعركة المقبلة ستكون في اختبار مدى قدرة الدولة على حماية قراراتها، و النجاح هنا لا يقاس بصدور القرار، بل بتفكيك المكاتب الاقتصادية التي تدير هذه الموارد، على وفق ما يطرحه المتخصصون، مشددين على ان تفكيكها لا يجري إلا بقطع التمويل غير القانوني عنها، وهو ما يجعل المواجهة حتمية.