لباقتك.. إيحاءٌ لتبيان لياقتك ليصطفياك
غالبا ما يحدث أن يصيب الإنسان وهمٌ في فهم ومعرفة ما يتلقى ويستقبل من مواضيع أو معلومات أو معارف أو حقائق أو عرض أحداث ووقائع.
وربما تتغاير التصورات والتوقعات لديه فتولد عنده شبهات أو تشابهات أو اختلافات في الفهم أو التصور وسرعان ما تداهمه أفكار إن لم تكن مضطربة بحد ذاتها فإنها تصبح مؤدى إلى حدوث اضطراب وغياب بعض الحقائق أو السهو والغفلة عن معرفة ما تنطوي عليه بعض الحقائق.
ويلاحظ أحيانا أن يُحدثَ الأمرُ اختلاطًا أو تشابكًا أو تداخلًا او التباسًا ويبلغ الأمر احيانًا حد الارتياب وليس ذلك بغريب عن الناس.
ومما هو إنموذجٌ لهذه النتيجة أن صيغة ونمط فهمنا أو وصفنا لبعض الطبائع أو الصفات أو السجايا والتعاطي معها والخلط في تعريفها وتوصيفها كما هو الخلط بين الصراحة وما يناقضها ويعاكسها وبين اللباقة وما يتضاد معها وبين سمة التواضع وما يعارضها وهكذا.
ولا بأس بالبدء بملمح من الملامح التي ربما تصلح أن تكون مصداقًا لمقدمتنا هذه على سبيل المثال ليس الحصر.
فثمة سمة حسنة يتسم بها أشخاص دون غيرهم بل يتميزون أو ربما ينفردون بها وهي اللباقة.
خصلة ومهارة وبراعة
اللباقة: تحتسب بأنها خصلة من الخصال الحميدة التي يتمتع بها الشخص أو هي ملكة يحملها بعض الأفراد دون غيرهم وربما تعد فنا من الفنون أو حتى مهارة من المهارات التي بمقدور الإنسان أن يمارسها ببراعة. أي يكون الشخص قادرًا على إطلاق الكلمة الرشيقة المزينة بالحكمة والحسنة والنافعة والمقنعة والمرضية التي يستحسنها المتلقي بل يأنس ويستمتع بسماعها وربما تضيف شيئًا من المعارف.
وهي أي اللباقة ضرب من ضروب الحكمة ليس بعيدًا أن تتلاقى اللياقة وترتبط بمبدأ اللباقة. وحين يشترك توفرها في شخص معين تظهر جمال وعذوبة الشخصية وتبدو أمارة من أمارات التهذيب الكياسة والرزانة. ومما ييسر الإطلاع على هذه الصفة من قبل الآخرين حين يستدعي الأمر الإشتراك في إبداء الرأي ويتم ذلك في قضية أو حالة معينة أو أي أمر وكذلك آلية حسن التصرف بممارسة وقول وفعل ما هو مناسب وما ينم عن التفوه بالحكمة بلباقة تامة .
وما يشتمل على الظرافة والجمال مع الاخذ بعين الاعتبار محاولة جعل الحديث مهما طال مجردًا عن الثرثرة أو المبالغة والهذر في تكرار الجمل والعبارات والمفردات غير المجدية والنافعة في الطرح والسعي لجعل الحديث جاذبًا تشتاق له الاسماع وتستمتع به.
والفرد اللبق الحاذق لا يتحدث إلا بقدر ما يمتلك من ثقافة ووعي وأدب وربما لا يبادر بالحديث إلا حين يستدعي ذلك ولا يطرح في حديثه إلا جزءًا بسيطًا مما يملك ويدخر. ورغم هذه الجزئية اليسيرة يتاح له أن يستقطب ويكسب ود الآخرين فضلا عن تكوين علاقات حسنة مع الناس. وربما يصل الأمر إلى أن تتحول الخصومات إلى صداقات وبناء علاقات إنسانية متينة يتعذر أن تنفصم عراها.
فهو أي الفرد اللبق يدرك ويقرر متى يبادر بالحديث ومتى يتوقف عنه وأين ومع من يتم الحديث ويدرك تمامًا ويبرهن أن اللباقة سر نجاح الإنسان لذا فهو حين يغادر أي موقع تواجد وحضر فيه يترك اثرًا ملحوظًا.
وبما أنه يتمتع بالحكمة والوقار فهو يتجنب الإنتقاص من الآخرين أو الإزدراء أو الإساءة لأحد بل يسعى في أن يتعاطى مع الجميع بدرجة من الإحترام والتقدير والتوقير وهذا ما يكسبه احترام الجميع . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ـ الحجرات / 11
وهو حتى حين تدعوه الضرورة للمجاملة فيتدارك الأمر ليضع حدودا وأصولًا لها.
مرتكزات حتمية المجاملة
المجاملة: بشكل عام تنطوي على أنماط معينة متعددة ومحددات وربما ترتبط بخطوط بيانية تحدد نِسبَها ومراتبَها تبدأ برقم معين وتنتهي برقم آخر.
وهي ربما من الطبائع التي يتطبع بها الإنسان او سلوك يسلكه في مسيرته الحياتية والتعاطي بها ورغم أنها حالة تشكل القاسم المشترك بين المجتمع بشكل عام أحيانًا إنما تتغاير في ارتكازاتها في النفوس وتلحظ إلى رقي الإنسان وصدقه والتعبير عن المشاعر النبيلة ومراعاة مشاعر الآخرين والتعاطي بصدق وإخلاص وإبداء الإحترام ويتم من خلالها توثيق أواصر التقارب المجتمعي وذلك عن طريق تقديم فروض الإحترام وتبادل التعامل بما تتطلبه الآداب العامة وبعقلانية وحكمية ووقار.
صيغ وأنماط الخيارات
بما أن اللباقة يمكن أن توصف بأنها فن وتنبع من رقي الذوق واللطف والرقة والجمالية وكل ذلك يتجلى في عملية اختيار الجمل والمفردات الرشيقة والعميقة بالمعنى خلال تناول الحديث وبما أنها أي اللباقة هكذا يعتقد بعض الناس تعني الثرثرة والهذر وتواصل الحديث باسترسال وبسرعة اللفظ والنطق ودمج المواضيع ببعضها دون فرز ودون توقف أو دون وضع فواصل.
والواقع يتطلب غير ذلك فكلما كثر إنبعاث الهذر وتزايد سقط الكلام يبلغ مرحلة الفضاضة وربما يسبب الملل والامتعاض وما يشابهه. حيث أن اللباقة تعني الدقة في اختيار صيغة ونمط الحديث.
الذوق الرفيع سبيل الإرتقاء
وصنف آخر من الناس باعتقاده يخلط بين سمة اللباقة وعنصر المجاملة ويعد المجاملة نتيجة للباقة وهذا الاعتقاد لا يقترب من الجزم كثيرا.
لا شك أن المجاملة سلوك مجتمعي مهذب يعبر عنه أحيانًا بالـ (أتكيت) يتعاطى به أصحاب الذوق الرفيع ولعلها تتحدد بمبادئ ومراتب قيمية ترتقي بها المجتمعات وتواصل الإلتحاق بالحضارة.
ومما هو واضح ومعلوم أن المجتمعات يكونها نسيج من الأفراد والأسر بمختلف إتجاهاتها وتوجهاتها وهذا النسيج يبدو متماسكًا بعض الشيء أحيانا حيث يتواصل الترابط بين الأفراد وتتوطد العلاقات ويقترب البعض من البعض الآخر ويمتزج النسب والتناسل وتتوسع القرابات فتؤسس لبيئة عامة صالحة يحافظ الجميع فيها على استدامة العلاقات مما يستدعي الأمر للتعاطي بالمجاملات النبيلة وتارة يبلغ الأمر إلى إبداء الولاءات عن طريق البوح بالمشاعر النبيلة وتقديم فروض الإحترام والتقدير وكسب الرضا والود وغير ذلك وربما يتجاوز الحد المعقول أحيانا بحمل عنوان المجاملة أو ما يُعَرَّف باسم ( المداراة).
واُعدت المجاملة أمارة من أمارات التمدن الحضاري فضلا عن التعبير عن حسن الخلق والطيبة والعطف واللطف والسماحة والسبيل إلى تأسيس علاقات جيدة حسنة .
وثمة من يحبذ التعاطي بالمجاملة بالتحكم بمجرياتها وتقنين سريانها
لتتحدد بمحددات معينة سواءٌ كان تطابقًا للظروف أو تخصصا للأشخاص كلٌ بما يتناسب ووضعه وأن تخضع لتوازن يضعه الفرد بنفسه .
على أن يتحدث الفرد مع الآخرين بما تتطلبه الآداب والوقار. وتحسين الكلام وتشذيب اللفظ والنطق وتهذيب ما يطرح من عبارات وجمل منسقة ومستوسقة على أن يكون ذلك بصدق وليس بطريقة المراءاة أو النفاق ...
والأجمل أن يختزل كل ذلك بموجز واضح ونافع ومفيد.
لا إفراط ولا تفريط
قيل إن الشيء إذا تجاوز عن حده انقلب إلى ضده. وثمة من اتخذ القول هذا قاعدة أو منهجًا ينتهجه في مسيرة حياته. وكأن الأمر إرشاد يبين لنا الإلتزام بالإعتدال والناي التام عن الإفراط والمبالغة في مختلف الأمور والجوانب الحياتية
وهذه القاعدة إن صح التعبير لتسميتها فهي عمومية تشمل الكثير من مفاصل حياتنا اليومية والتعاملات مع الضرورات وغيرها .
وهذا ما يعكسه تصور بعض الناس حيث يعتقد أن المجاملة تعني المبالغة في التصرفات والتعاملات مع الناس ولعلها وأن هذا أمر حسن ولابد منه .
وهذا الإعتقاد تصور واهم إذ إن كثيرا ما يجر إلى النفاق بالمراءاة والمداهنة في مجاملة من لا يستحق المجاملة . وهذا التصرف ضرب من ضروب التصنع بسطحية واضحة.
وهنالك من جعل المجاملة أن تحمل وجهين متضادين متعاكسين. إذ إن التعمق بالمجاملة بصيغة الإفراط والتفريط وبكامل الوعي ومع الإصرار على الاستمرار قد يأتي بنتائج عكسية تشكل ضررًا على الأفراد حيث أن الإفراط يكون لحاظًا من لحاظات الزيف وتزييف الحقائق أو تشويهها وانعدام المصداقية وثم يجر إلى سلوك سبيل النفاق والمراءاة والمداهنة .
فكم من مادحٍ في مدحه وإفراطه بما يسميه مجاملة أو مداراة جَعَلَ من لا يستحق المدح والثناء شخصًا متجبرًا متكبرًا بلغ مرتبة الطغيان .وذاك لحاظ الظاهر بغير من يحتوي الباطن مما يؤدي إلى ورود المردود العكسي بالغ الخطورة للمجاملة المجوفة والمزيفة المفرغة من المصداقية والحدود.
ولعل بعض الناس يتعمد في ذلك إما من أجل بناء علاقاتٍ معينة أو نيل مكاسب أو ما يشابه ذلك . وحين يلام على ذلك يدعي بأن الأمر يعبر عن اللباقة من ناحية وفرض مجاملة الآخرين من ناحية أخرى. وذلك ما يدخل ضمن منظومة النفاق الإجتماعي وما يتعلق بقاعدة المداهنة.
وهذا ما يرفضه الواقع والعقل الجمعي.