العراق من الإزاحة الجيلية إلى التوريث السياسي
لفت انتباهي المقال البارع للكاتب إبراهيم العبادي في توصيفه لظاهرة التوريث السياسي الحالية في العراق بوصفها "إزاحة جيلية" من النوع السلبي، لأنها لا تعني تجديداً أو تحديثاً لروح الانبعاث السياسي داخل الأحزاب والتيارات المشاركة في السلطة، بقدر ما تعني إعادة إنتاج البنية نفسها بأسماء وأعمار جديدة.
هذا الطرح يتقاطع بصورة عميقة مع ما ذهبتُ إليه في مقالي:
"من الديمقراطية إلى الأوليغارشية: الدولة العراقية بوصفها غنيمة مُدَوْلبة"
والذي حاولتُ فيه تفسير الانقلاب التدريجي للعملية السياسية العراقية من نموذج ديمقراطي شكلي إلى نموذج أوليغارشي تتحكم به عوائل سياسية استحوذت على الأحزاب والسلطة والمال العام، ثم عملت على تحويل الدولة إلى فضاء مغلق لتأصيل دكتاتوريتها السياسية والاقتصادية.
إن الربط بين المقالين يقود إلى نتيجة شديدة الأهمية، يمكن اختصارها بمفهوم واحد هو:
"التوريث السياسي".
هذا الإجراء، الذي ارتبط تاريخياً بالممالك والإمبراطوريات، كان دائماً الوسيلة الحاسمة لتثبيت السلطة وإدامة الحكم داخل السلالة الحاكمة.
ومنذ العصور القديمة وحتى ما قبل الثورة الفرنسية، كان التوريث أمراً شبه طبيعي، بل يُنظر إليه بوصفه جزءاً من الاستقرار السياسي والاجتماعي.
لكن مع تطور الدولة الحديثة، وظهور الديمقراطية الليبرالية، ثم صعود الأحزاب الجماهيرية، جرى استبدال "الحق الوراثي" بمفهوم "الاختيار الشعبي".
حتى الأنظمة الاشتراكية، رغم دكتاتورية أحزابها، لم تستطع تكريس التوريث العائلي بصورة صريحة، قبل أن تدخل لاحقاً في أزماتها وانهياراتها المعروفة.
أما في الشرق الأوسط، فقد بقيت العقلية التوريثية راسخة داخل البنية السياسية والاجتماعية.
فلم تقتصر الوراثة على الممالك والإمارات، بل امتدت إلى الجمهوريات والأحزاب والثورات نفسها.
صدام حسين كان يُعِدّ ابنه عدي لوراثة الحكم، وحسني مبارك هيأ جمال مبارك، وكذلك فعل القذافي وغيره.
حتى الأحزاب التي رفعت شعارات التحرر والثورية انتهت إلى تكوين مراكز نفوذ عائلية مغلقة.
وحين سقط النظام الدكتاتوري التوريثي في العراق عام 2003، كان من المفترض أن يبدأ مسار جديد قائم على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، بوصفه قطيعة تاريخية مع مفهوم الحكم الوراثي.
لكن الذي حدث فعلياً هو أن الديمقراطية العراقية وُلدت داخل بيئة ريعية تعتمد كلياً على موارد الدولة، وفي ظل مجتمع مُنهك تاريخياً بثقافة الزعامة والطائفة والعائلة والغلبة.
وهنا بدأ الانحراف الكبير.
فكما أوضحتُ في مقال "من الديمقراطية إلى الأوليغارشية"، تحولت العملية السياسية تدريجياً إلى نموذج أوليغارشي تتحكم به عوائل سياسية سيطرت على الأحزاب الكبرى، وأسست شبكات اقتصادية ضخمة، وهيئات مالية، وأذرعاً إعلامية، وأحياناً كيانات مسلحة، لتبدأ عملية تقسيم الدولة بوصفها غنيمة بين تلك العوائل.
لقد نشأت فعلياً "طبقة نبلاء" عراقية جديدة، تشبه إلى حد بعيد طبقات الإقطاع السياسي في الممالك القديمة؛ عوائل تتحكم بإقطاعيات سياسية واقتصادية داخل الدولة، وتدير الموارد والثروات والنفوذ ضمن حدود مناطق سيطرتها الحزبية والطائفية.
ويأتي مقال إبراهيم العبادي ليكشف المرحلة التالية من هذا التحول، وهي الأخطر:
مرحلة تثبيت التوريث داخل النظام الأوليغارشي نفسه.
أي أن طبقة النبلاء السياسية، بعد أن أحكمت سيطرتها على الدولة، بدأت الآن بتمرير السلطة إلى الأبناء والأصهار والمقربين، تمهيداً لتحويل النفوذ السياسي إلى حق عائلي دائم.
وهنا نصل إلى اللحظة التاريخية الأخطر.
إن العراق يقف اليوم أمام منعطف يشبه ـ من حيث البنية السياسية ـ اللحظة التي أعقبت صلح الإمام الحسن عليه السلام، حين انتقل الحكم مع معاوية من إطار الجماعة السياسية إلى إطار السلالة الحاكمة، ثم جرى تثبيت ذلك عبر تسليم السلطة ليزيد، وكسر مبدأ الشورى في الحكم الإسلامي.
وقد قلتُ في مناسبات عديدة ووصفتُ الطبقة السلطوية الحالية بعبارة أجدها اليوم أكثر انطباقاً من أي وقت مضى:
"يلبسون ملابس علي عليه السلام، لكن بأجساد وأرواح معاوية".
فهم يرفعون شعارات العدالة والتمثيل الشعبي والدفاع عن المظلومين، لكنهم يمارسون السلطة بعقلية الغلبة والتوريث واحتكار النفوذ وإدامة الحكم داخل السلالة السياسية.
إننا نعيش الآن لحظة شبيهة بلحظة تسليم معاوية الحكم ليزيد؛ اللحظة التي انتهى فيها جوهر الشورى، وتحولت السلطة إلى ملك سياسي وراثي.
واليوم تعيد العوائل الأوليغارشية العراقية إنتاج المشهد ذاته بصورة حديثة:
ديمقراطية شكلية من الخارج، وسلطة وراثية مغلقة من الداخل.
لكن التاريخ يُعلّمنا أيضاً أن الأنظمة التي تتحول إلى احتكار عائلي مغلق تبدأ لحظة أفولها من داخل هذا الانغلاق نفسه.
ولهذا فإن العراق يحتاج إلى "ثورة حسينية" عصرية، لا بمعنى المأساة، بل بمعنى استعادة الشرعية الأخلاقية والسياسية للدولة.
ثورة لا تكتفي بإزاحة الأشخاص، بل تُسقط البنية التي أنتجتهم.
ثورة تستعيد الأموال المنهوبة بوصفها شرطاً لإعادة البناء الاقتصادي.
وتؤسس لقضاء عادل، ودولة قانون، ومؤسسات حقيقية، وتنهي هيمنة الجهل والتفاهة والفساد والتخلف التي تحولت إلى أدوات لإدامة النظام الأوليغارشي.
فنحن لا نحتاج فقط إلى تغيير حكّام…
بل إلى كسر العقل السياسي الذي حوّل الدولة إلى ميراث، والشعب إلى رعية، والديمقراطية إلى واجهة تخفي خلفها سلطة النبلاء الجدد.