مهام قديمة أمام رئيس الوزراء الجديد
يجمع علماء السياسة على أن الوحدة الوطنية تمثل حالة من التلاحم والترابط الوثيق بين جميع أفراد المجتمع، متجاوزةً كافة الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية والفكرية، ليعمل الجميع تحت مظلة هوية جامعة تضمن استقرار الوطن وحمايته.
وتستند هذه الوحدة إلى مرتكزات سياسية جوهرية، أبرزها: انصهار الانتماءات المتعددة في هوية وطنية موحدة، وترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة القائم على المساواة أمام القانون دون تمييز، وإعلاء سيادة الدولة ومؤسساتها الدستورية، وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات والفرص، فضلاً عن تبني التعددية الفكرية والسياسية بما يخدم المصلحة العليا للبلاد.وتهدف هذه الوحدة إلى تعزيز الأمن القومي عبر بناء جبهة داخلية متماسكة، وتحقيق الاستقرار السياسي، ودفع عجلة التنمية المستدامة، وترسيخ السلم المجتمعي القائم على ثقافة التسامح والحوار.
ويُعدّ تحقيق الوحدة الوطنية وتجسيدها على أرض الواقع التحدي الأبرز الذي يواجه الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام 1921، وهي غايةٌ ظلت قائمة دون تحقيق ملموس. وتبرز هذه القضية كأولوية قصوى أمام رئيس الوزراء الجديد، علي الزيدي، الذي تنهض أمامه منذ توليه منصبه في مايو 2026 قضية التعامل مع بيئة سياسية معقدة تتطلب توازنات دقيقة. وتتمثل تحركاته في هذا الملف في تقريب وجهات النظر بين المكونات لتجاوز آثار المحاصصة، وبناء موقف وطني موحد لمواجهة التدخلات الخارجية، وحصر السلاح بيد الدولة لضمان الأمن والاستقرار، وذلك من خلال سلسلة من اللقاءات السياسية المستمرة.
ويواجه رئيس الوزراء العراقي الجديد معادلةً بالغة الحساسية والتعقيد؛ فالجمع بين إشراك كافة القوى السياسية الفاعلة من جهة، واعتماد معايير المهنية والخبرة والكفاءة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والحزبية من جهة أخرى، يُمثل الاختبار الحقيقي لنجاح حكومته في إصلاح النظام الإداري في البلاد. ويهدف هذا التوازن إلى إنهاء حقبة "المحاصصة التقليدية" التي أضعفت مؤسسات الدولة، والعبور نحو مفهوم "حكومة الكفاءات الوطنية الممثِّلة للجميع".
وينبغي أن تقوم مرتكزات التشكيل الوزاري على الكفاءة والخبرة، بحيث تكون المهنية المعيار الوحيد لإدارة الوزارات، وأن يستند اختيار الوزراء وأصحاب الدرجات الخاصة إلى نزاهة السيرة الذاتية، والخبرة الفنية، والقدرة على تحقيق أهداف بناء دولة حديثة، لا إلى الولاء الحزبي.
إن الشراكة السياسية والوطنية منهج ناجع لتعزيز تطوير البلاد في كل المجالات، وهذا يتطلب -من بين قضايا أخرى- إشراك المكونات والقوى السياسية الفاعلة، من أحزاب وشخصيات، في صناعة القرار السياسي لضمان استقرار الحكومة وحمايتها من المعارضة غير البناءة، بشرط أن تُرشِّح هذه القوى شخصيات مهنية مستقلة لإدارة الحقائب الخدمية والاقتصادية. ومن المهام الراهنة مكافحة الفساد السياسي، التي تتمثل أولاً في إنهاء ظاهرة "الوزارات الدكاكين" التي تستغلها بعض الأحزاب لتمويل أنشطتها.
ويرتبط النجاح السياسي بالقدرة على إطلاق مشاريع إنتاجية، ومكافحة الفساد المالي، وخفض معدلات البطالة لتعزيز ثقة الشارع بالمؤسسات. ومع ذلك، يخشى مراقبون أن تؤدي قيود المحاصصة وتداخل مصالح الكتل والضغوط الدولية إلى عرقلة مسار الإصلاح المؤسسي الشامل.
ستواجه هذه الرؤية محاولات قوى المحاصصة لعرقلتها، وذلك عبر الضغوط التي تمارسها كتل سياسية نافذة ترى في إنهاء نظام المحاصصة الحزبية تهديداً لمصالحها ونفوذها الراسخ في مؤسسات الدولة.
وتمثل أمام رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، مهمة جسيمة تتمثل في بناء اقتصاد وطني صلب، تتطلب التركيز على محاور استراتيجية لتحقيق الاستقرار والنمو المستدام؛ أبرزها تنويع مصادر الدخل لتقليص الاعتماد الكلي على الصادرات النفطية، وتعزيز القطاعات غير النفطية، وتنشيط القطاع الخاص عبر تمكين الشركات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية بتبسيط الإجراءات القانونية والإدارية. كما تشمل هذه المحاور إصلاح النظام المصرفي وتحديث القطاع المالي، وتفعيل التحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات، مع المضي قدماً في المشاريع الاستراتيجية الكبرى كمشروع "طريق التنمية". علاوة على ذلك، تبرز أهمية دعم الصناعة والزراعة المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بالتوازي مع تعزيز الشفافية والحوكمة في المؤسسات الحكومية لضمان التوزيع العادل للموارد.
وفي هذا السياق، يمثل إصلاح النظام التعليمي أولوية قصوى للحكومة، عبر خارطة طريق شاملة لتطوير المناهج ورفع كفاءة الطلبة بما يواكب المعايير الدولية ومتطلبات سوق العمل. ولتحقيق هذه النقلة النوعية، ينبغي اتخاذ إجراءات منهجية تشمل تحديث المناهج لتقليص الحشو والتلقين، والتركيز على الفهم العميق واكتساب المهارات الأساسية والرقمية، ودمج أدوات الإدارة الإلكترونية ومبادئ التفكير البرمجي لتعزيز الابتكار، مع مراجعة محتوى الكتب العلمية لتتوافق مع أحدث التطورات العالمية.
أما على صعيد تطوير القاعدة العلمية، فتستدعي المهمة تنفيذ برامج تدريب مهني مستمر لتطوير مهارات المعلمين في استراتيجيات التدريس الحديثة، ودعم البحث العلمي عبر تفعيل البعثات التعليمية لربط الكوادر بالجامعات العالمية الرصينة، وتوفير التكنولوجيا التعليمية والمختبرات اللازمة لتمكين المعلمين من أداء مهامهم بفعالية.
كما تبرز ضرورة رفع مستوى التحصيل الدراسي من خلال تطبيق استراتيجية المدارس النموذجية التي تعتمد على قياس الكفاءة قبل التعميم، والعمل الجاد على إنهاء نظام الدوام المزدوج؛ إذ يعد مشروع بناء آلاف المدارس الحديثة حلاً جذرياً لإنهاء ظاهرتي الدوام الثنائي والثلاثي، مما يمنح الطلبة وقتاً كافياً للتحصيل. وأخيراً، يجب المضي قدماً في ربط التعليم بسوق العمل عبر التركيز على المهارات التطبيقية والتقنية لتقليص الفجوة بين التعليم النظري ومتطلبات الواقع المهني.