الحكومة وسؤال العقيدة الاقتصادية المؤجل:هل آن أوان العقد الاقتصادي الجديد للعراق؟

مقالات 31 May 2026
بقلم: د. عبد الكريم كاظم عجيل

هل يمتلك العراق اليوم فعلاً "عقيدة اقتصادية" واضحة، أم أن الدولة ما تزال تتحرك ضمن نموذج هجين يجمع بين اقتصاد السوق نظرياً، والاقتصاد الموجَّه إدارياً، والاقتصاد الريعي واقعاً؟

قد يبدو هذا السؤال صادماً، لكنه يمثل أحد أخطر الأسئلة المؤجلة في بنية الدولة العراقية بعد عام 2003. فالعراق، رغم التحولات السياسية الكبرى التي شهدها، لم يحسم حتى الآن هويته الاقتصادية بصورة واضحة؛ هل نحن أمام اقتصاد سوق حقيقي؟ أم اقتصاد تقوده الدولة مركزياً؟ أم نموذج مختلط لم تكتمل ملامحه الفكرية والتشريعية والمؤسسية؟

لقد حاول الدستور العراقي لعام 2005 أن يؤسس لتحول اقتصادي جديد عندما نصت المادة (25) على "إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة، بما يضمن استثمار كامل موارده، وتنويع مصادره، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته". إلا أن التطبيق العملي بقي محكوماً بتناقض واضح بين الخطاب الاقتصادي الحديث والبنية التشريعية والإدارية التي ما تزال أجزاء واسعة منها تتحرك بعقلية الاقتصاد المركزي.

فبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، ما تزال الدولة اللاعب الاقتصادي الأكبر، وما يزال القطاع الخاص يواجه بيئة تشريعية وإدارية معقدة، في وقت تتحدث فيه السياسات الرسمية عن اقتصاد السوق وجذب الاستثمار. وقد خلق هذا التداخل حالة من "الازدواج الاقتصادي البنيوي"، حيث تتعايش فلسفات اقتصادية متعارضة داخل الدولة نفسها، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على بيئة الأعمال، وسرعة اتخاذ القرار الاقتصادي، وضعف مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج والتشغيل والتنمية.

وتزداد خطورة هذه الإشكالية مع استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط. فبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الإيرادات النفطية تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة العراقية، فيما تمثل الصادرات النفطية ما يقارب 99% من إجمالي الصادرات. أما القطاعات الإنتاجية الأخرى، فما تزال مساهمتها محدودة قياساً بالإمكانات الكبيرة التي يمتلكها العراق.

ولا يرتبط خطر هذا الاعتماد بالتقلبات المالية فقط، بل يمتد إلى ما يُعرف اقتصادياً بـ "المرض الهولندي"، وهو المفهوم الذي يصف حالة الاقتصادات التي تؤدي فيها الوفرة الريعية إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى، كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، نتيجة تضخم الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وتراجع القدرة التنافسية للإنتاج المحلي.

وقد أدى ذلك إلى تكريس اقتصاد ريعي استهلاكي أكثر من كونه اقتصاداً إنتاجياً تنموياً، فأصبحت الدولة تتحمل العبء الأكبر في التشغيل والإنفاق والرعاية الاقتصادية، بينما بقي الاقتصاد الوطني هشاً أمام تقلبات أسواق الطاقة والأزمات الدولية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الاقتصاد الريعي، بل في أن العالم نفسه يتغير بسرعة غير مسبوقة. فالعالم اليوم لا يعيش تحولات اقتصادية تقليدية، بل يمر بإعادة تشكيل شاملة لمفاهيم القوة والثروة والإنتاج. إذ لم تعد القوة الاقتصادية تُقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية، بل بامتلاك التكنولوجيا، والسيطرة على البيانات، والقدرة على إنتاج المعرفة والابتكار.

ولم يعد الحديث عن "اقتصادات المستقبل" مجرد توصيف نظري، بل أصبح يمثل الاتجاه الفعلي للاقتصاد العالمي. فالاقتصاد الرقمي بات يشكل ما بين 15% إلى 21% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بقيمة تتراوح بين 16 و24 تريليون دولار، مع توقعات بنمو يفوق ثلاثة أضعاف متوسط النمو العالمي خلال السنوات المقبلة. كما يُتوقع أن يرتفع حجم سوق الذكاء الاصطناعي من نحو 294 مليار دولار حالياً إلى ما يقارب 2.5 تريليون دولار بحلول عام 2034.

أما قطاع الطاقة المتجددة، فقد تجاوزت قيمته العالمية تريليون دولار، بالتزامن مع التحول العالمي التدريجي نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. في حين أصبحت اقتصادات المعرفة والابتكار تنمو بمعدلات تفوق الاقتصادات التقليدية بأضعاف، مع انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو الدول القادرة على إنتاج التكنولوجيا والمعرفة، لا استهلاكها فقط.

وفي ضوء هذه التحولات، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار اعتماد العراق على النفط، بل في احتمال دخوله المتأخر إلى اقتصاد المستقبل، في وقت تعيد فيه الدول الكبرى والمتوسطة بناء نماذجها الاقتصادية وفق معايير الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.

كما أن العراق يواجه تحدياً ديموغرافياً متصاعداً، مع دخول مئات الآلاف من الشباب سنوياً إلى سوق العمل، في وقت أصبحت فيه الوظيفة الحكومية عاجزة عن الاستيعاب كما في السابق. وهذا يعني أن استمرار النموذج الريعي الحالي لن يكون قادراً على إنتاج الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي مستقبلاً.

إن الجيل العراقي الجديد لا يحتاج فقط إلى وظائف، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج قادر على خلق الفرص والابتكار والحراك الاجتماعي. ومن هنا، فإن تأجيل حسم الهوية الاقتصادية للدولة لم يعد مجرد إشكالية فكرية، بل أصبح تحدياً استراتيجياً يتعلق بمستقبل العراق نفسه.

وتؤكد التجارب الدولية أن الدول التي نجحت اقتصادياً لم تعتمد نموذجاً جامداً، بل بنت فلسفات اقتصادية تتناسب مع خصوصيتها الوطنية. فروسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعادت بناء نموذجها الاقتصادي بصورة تجمع بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على سيادة الدولة في القطاعات الاستراتيجية. أما الصين، فقد قدمت واحدة من أهم التجارب الاقتصادية الحديثة عبر نموذج "اقتصاد السوق الاشتراكي"، الذي جمع بين التخطيط الاستراتيجي والانفتاح على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، ما جعلها تتحول خلال عقود قليلة إلى قوة اقتصادية عالمية. أما ألمانيا، فقد نجحت في بناء "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الذي حقق توازناً بين حرية السوق والاستقرار الاجتماعي، وأصبح لاحقاً أحد أكثر النماذج الاقتصادية استقراراً ونجاحاً في العالم.

إن القاسم المشترك بين هذه التجارب لا يتمثل في استنساخ نموذج اقتصادي واحد، بل في امتلاك "عقيدة اقتصادية وطنية" واضحة تحدد دور الدولة والسوق وأولويات التنمية وحدود التدخل الاقتصادي. ومن هنا، فإن العراق لا يحتاج إلى استيراد نموذج اقتصادي جاهز، بقدر ما يحتاج إلى بناء "نموذج اقتصادي عراقي" خاص به، يستند إلى موارده وإمكاناته وموقعه الجيوسياسي وخصوصيته الاجتماعية، ويحقق التوازن بين دور الدولة ومتطلبات السوق، وبين السيادة الاقتصادية والانفتاح العالمي، وبين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.

إن الحديث عن "العقد الاقتصادي الجديد" لا يعني الدعوة إلى خصخصة شاملة أو انسحاب الدولة من الاقتصاد، كما لا يعني العودة إلى المركزية الاقتصادية التقليدية، بل يعني الانتقال إلى "الدولة التنموية الذكية"، أي الدولة القادرة على قيادة التنمية، وتنظيم السوق، وتحفيز الاستثمار، وبناء بيئة إنتاجية تنافسية، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي والسيادة الاقتصادية والمصالح الوطنية العليا.

ولا يمكن لأي مشروع اقتصادي جديد أن ينجح من دون مراجعة شاملة للبنية التشريعية الاقتصادية، وإعادة مواءمتها مع متطلبات الاقتصاد الحديث، والتحول الرقمي، واقتصادات المستقبل، وإنهاء حالة التناقض بين التشريعات القديمة والتوجهات الاقتصادية الجديدة.

ومع ولادة حكومة جديدة برئاسة الأستاذ علي الزيدي، القادم من بيئة الأعمال والاقتصاد، تبدو الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لفتح هذا الملف المؤجل برؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه العراق خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في إدارة الثروة، بل في بناء اقتصاد وطني سيادي منتج ومستدام قادر على تحقيق التنمية، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز الاستقرار الوطني.

ولعل الخطوة الأولى في هذا المسار تبدأ بالاعتراف بأن العراق لا يحتاج اليوم إلى إصلاحات اقتصادية جزئية فحسب، بل إلى "عقد اقتصادي جديد" يعيد صياغة الهوية الاقتصادية للدولة بصورة واضحة ومستقرة، ويحدد أولويات التنمية الوطنية، ويرسم حدود العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاقتصاد أداة لبناء الدولة وتعزيز نفوذها واستقرارها، لا عبئاً دائماً على مستقبلها.

وربما لم يعد السؤال اليوم: هل يحتاج العراق إلى إصلاح اقتصادي؟ بل: هل يستطيع العراق الدخول إلى عالم ما بعد النفط وعصر الذكاء الاصطناعي من دون حسم هويته الاقتصادية أولاً؟ فالدول التي تتأخر في حسم عقيدتها الاقتصادية، تتأخر غالباً في حسم مكانتها داخل النظام الدولي نفسه.