بين نوايا الإصلاح وواقع الاقتصاد السياسي
في خضم التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، يتكرر في الخطاب الرسمي التأكيد على أن خفض معدلات البطالة يمر عبر توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، من خلال دعم القطاعين الزراعي والصناعي وتعزيز دور القطاع الخاص في استيعاب القوى العاملة. ويعكس هذا الطرح فهمًا نظريًا سليمًا لآليات التنمية، حيث لا يمكن لأي اقتصاد أن يخلق فرص عمل مستدامة دون قاعدة إنتاجية تولّد قيمة مضافة.
غير أن هذا التصور، على صوابه نظريا، يصطدم بإشكالية جوهرية: لماذا لا تُترجم هذه السياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع؟
لفهم هذه المفارقة، لا يكفي تحليل السياسات بوصفها أدوات تقنية، بل يجب وضعها ضمن سياقها الأوسع، أي ضمن بنية الاقتصاد السياسي الذي تعمل فيه. فالعراق لا يمثل اقتصادًا سوقيًا تقليديًا، بل نموذجًا ريعيًا تتداخل فيه الدولة بالسوق بوصفها المصدر الرئيسي للموارد ومركز إعادة توزيعها. وفي مثل هذا السياق، لا يتشكل القطاع الخاص بوصفه فاعلًا مستقلاً، بل كامتداد جزئي لمنظومة توزيع الريع.
ومن هنا تبرز نقطة التحول في التحليل، حين تتحدث السياسات عن "تمكين القطاع الخاص"، فإن السؤال الحاسم يصبح: أي قطاع خاص يُقصد؟
في الواقع، لا يشكّل القطاع الخاص العراقي كتلة متجانسة، بل يتكون من أنماط متباينة في الوظيفة والدور. فهناك شريحة واسعة من رجال الأعمال المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بشبكات سياسية، يتركز نشاطهم في العقود الحكومية والمشاريع الكبرى. وإلى جانب ذلك، يوجد قطاع تجاري واسع يعتمد على الاستيراد، يحقق أرباحه من فروقات الأسعار ويجد في الانفتاح التجاري غير المنضبط بيئة مثالية لنشاطه، دون حاجة إلى استثمار إنتاجي طويل الأجل. أما القطاع الثالث، وهو القطاع الصغير والمتوسط، فيمثل النواة المحتملة لاقتصاد إنتاجي حقيقي، لكنه يعاني من التهميش وضعف التمويل وغياب الحماية.
في ظل هذا التكوين، يصبح التعويل على القطاع الخاص لقيادة عملية التشغيل إشكاليًا من الأساس، لأن الحوافز لا تتجه نحو الإنتاج بقدر ما تتجه نحو الريع أو التجارة السريعة العائد.
تتعمق هذه الإشكالية عند النظر إلى العلاقة بين القطاعات الإنتاجية نفسها. ففي الاقتصادات الناجحة، تعمل الزراعة والصناعة ضمن منظومة تكاملية عالية الترابط؛ فالزراعة تغذي الصناعة بالمواد الأولية والغذاء، بينما تضيف الصناعة قيمة مضافة عبر عمليات التحويل والتعليب والتصنيع والتصدير. هذا التكامل يولّد ما يُعرف في الاقتصاد بـ مضاعف التشغيل (Employment Multiplier)، وهو مفهوم يشير إلى أن أي توسع في نشاط إنتاجي أساسي يخلق سلسلة من الوظائف غير المباشرة في قطاعات مرتبطة مثل النقل والخدمات والتوزيع، بما يضاعف الأثر التوظيفي الكلي.
أما في الحالة العراقية، فإن هذا المضاعف يبقى ضعيفًا، لأن القطاعات الإنتاجية تعمل بصورة شبه منفصلة، مع ضعف واضح في الترابط بين الزراعة والصناعة. فالزراعة غالبًا ما تبقى محصورة في الإنتاج الأولي دون اندماج فعّال مع الصناعات التحويلية، في حين لا تستند الصناعة إلى قاعدة زراعية أو إنتاج محلي مستقر، مما يحدّ من تراكم القيمة المضافة داخليًا ويقلل من قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مضاعفة.
وتزداد هشاشة البنية الصناعية في العراق عند النظر إلى طبيعة مدخلات الإنتاج نفسها، إذ تعتمد نسبة كبيرة مما يُصنَّف كصناعة محلية على استيراد المواد الخام أو شبه المصنعة من الخارج. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من النشاط الصناعي لا يقوم على قاعدة إنتاج أولية داخلية، بل على عمليات تحويل أو تجميع لمدخلات مستوردة، مما يحدّ بشكل كبير من القيمة المضافة المحلية. وبهذا الشكل، لا تتشكل سلسلة إنتاج متكاملة، بل حلقة إنتاج منقوصة تعتمد على الخارج في أحد أهم عناصرها.
وينعكس هذا الواقع مباشرة على القدرة التشغيلية، إذ إن الصناعات المعتمدة على الاستيراد تميل إلى أن تكون أقل كثافة في العمالة وأكثر محدودية في التوسع، ما يقلل من قدرتها على خلق وظائف واسعة ومستدامة، ويجعل أي نمو صناعي مرهونًا بتقلبات الأسواق الخارجية وسلاسل الإمداد الدولية.
وتتفاقم هذه الإشكالية بفعل بيئة الأعمال غير المستقرة. فحتى عندما تتوفر مبادرات دعم أو تمويل، فإن التغير المتكرر في السياسات الاقتصادية، وضعف البنية التحتية الأساسية (كالطاقة والنقل والمياه)، إلى جانب تعقّد الإجراءات البيروقراطية وضعف الأتمتة، كلها عوامل ترفع كلفة الإنتاج بشكل ملحوظ. وفي كثير من الحالات، تصبح هذه الكلفة أعلى من العائد المتوقع، ما يضعف الحافز على التوسع الإنتاجي، ويحدّ من قدرة المشاريع القائمة على خلق وظائف جديدة أو الاستمرار في النمو.
إن الإشكالية لا تكمن في غياب القطاعات الإنتاجية أو ضعف أهميتها النظرية، بل في طبيعة البيئة الاقتصادية التي تعمل ضمنها. فالزراعة والصناعة في العراق لا تعاني من نقص الدعم فحسب، بل من اختلال في شروط التحول إلى قطاعات مولِّدة للتشغيل. فهذه القطاعات، رغم حضورها، تعمل في سياق منخفض الإنتاجية ومفتوح على استيراد واسع يحدّ من قدرتها التنافسية، ويمنع تراكم القيمة المضافة داخليًا.
وفي هذا السياق، يصبح الدعم الحكومي، سواء عبر القروض أو الضمانات أو الحوافز التمويليةغير كافٍ لتحويل هذه القطاعات إلى محركات تشغيل حقيقية، لأنه يتعامل مع العرض الإنتاجي دون معالجة شروط السوق والبنية المؤسسية. فغياب الحماية الذكية، وضعف الترابط بين القطاعات، وهيمنة الأنشطة الريعية والتجارية على الاستثمار الخاص، كلها عوامل تُبقي الزراعة والصناعة ضمن دائرة الفاعلية المحدودة، لا النمو القادر على توليد تشغيل واسع.
إن ما يكشفه هذا الواقع هو أن المشكلة ليست في نقص الرؤية أو الأدوات، بل في عدم موائمة هذه الأدوات مع طبيعة البنية الاقتصادية والسياسية القائمة. فحين تكون الأرباح الأعلى متحققة في الأنشطة الريعية أو التجارية، وحين يكون الوصول إلى الفرص الاقتصادية مشروطًا بالقرب من مراكز النفوذ، فإن الحوافز تتجه بطبيعتها بعيدًا عن الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل.
وعليه، فإن خفض معدلات البطالة لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات دعم تقليدية أو مبادرات تمويلية معزولة، بل يتطلب إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الدولة والسوق، وضبط قنوات توزيع الريع، وبناء بيئة تنافسية حقيقية تتيح للقطاع الإنتاجي النمو خارج هيمنة النفوذ السياسي. دون ذلك، سيبقى الخطاب الإصلاحي محكومًا بنواياه، بينما يستمر الواقع في إعادة إنتاج اختلالاته البنيوية.
في المحصلة، تعكس السياسات الحالية فهمًا صحيحًا لاتجاه الإصلاح، لكنها تتجاهل القيود العميقة التي تعيق تحقيقه. وبين نوايا الإصلاح وواقع الاقتصاد السياسي، تتسع فجوة لا يمكن ردمها إلا عبر معالجة الجذور، لا الاكتفاء بإدارة النتائج.