برلمان بلا جدران

مقالات 22 April 2026
بقلم: مصطفى طارق

منذ قرنٍ من الزمان وتحديداً في عام 1925 افتتح العراق أولى جلسات برلمانه في العهد الملكي وكانت القبة هي الملاذ الوحيد للسياسة والصحافة الورقية هي لسان حال الشارع حيث كانت الكلمة تُوزن بميزان الذهب قبل أن تجد طريقها إلى المطبعة اليوم ونحن نعيش في ذروة العقد الثالث من الألفية الجديدة فبينما يجتمع النواب تحت سقف المنطقة الخضراء المحصّن بالكتل الخرسانية والإجراءات الأمنية المشددة تدور الديمقراطية الحقيقية بصوابها وخطئها بعنفوانها واضطرابها في أروقة فيسبوك واكس ومقاطع تيك توك الخاطفة

لقد تحوّل الهاتف الذكي في يد المواطن العراقي من البصرة إلى زاخو من مجرد وسيلة اتصال إلى مقعد نيابي افتراضي يُشرّع فيه الرفض ويُصوّت فيه بالاستهجان ويُقيل فيه المسؤولين بـ هاشتاك يتصدر الترند في ساعات قليلة.

إننا نعيش تحولاً بنيوياً في مفهوم السلطة حيث انتقلت الديوانية العراقية التقليدية والمقهى السياسي من الحيّز المادي الملموس إلى مجموعات واتساب وصفحات فيسبوك المليونية مما خلق فضاءً عاماً جديداً لا يسيطر عليه أحد حيث تسبق المعلومة أو الفضيحة السياسي بمسافات ضوئية الأمر الذي جعل شرعية الشاشة تتآكل تدريجياً على حساب شرعية الصندوق والتمثيل التقليدي.

في هذا البرلمان الرقمي العراقي لا توجد لجان قانونية تبحث في الدستورية ولا قراءات أولى وثانية ومناقشات مستفيضة بل هناك قضية رأي عام تنفجر فجأة لتتحول إلى قوة ضاربة عندما تنتشر صورة لمستشفى متهالك أو مقطع فيديو يوثق تجاوزاً أمنياً أو حالة فساد في دائرة حكومية يتحرك هذا البرلمان الافتراضي بكامل ثقله مجبِراً المؤسسات الرسمية على اللهاث خلفه.

بتنا نرى البيانات الحكومية تصدر رداً على ما تداولته مواقع التواصل ونرى قرارات الإعفاء والنقل والتحقيق تُتخذ تحت وطأة ضغط الهاشتاك مما يعني أن الشاشة باتت تمارس دوراً رقابياً وتنفيذياً عجزت عنه مؤسسات الدولة الرقابية التقليدية لسنوات طويلة نتيجة المحاصصة والتوازنات السياسية.

ومع ذلك فإن هذه السلطة الجديدة ليست بريئة تماماً فكما أن للبرلمان الحقيقي لوبيات ومصالح خفية فإن للبرلمان الرقمي جيوشاً إلكترونية ومنظومات احترافية لما يُعرف بـ الذباب الإلكتروني الذي بات يمتلك القدرة على تزييف إرادة الشاشات وصناعة ترندات وهمية أو ممارسة الاغتيال المعنوي لكل صوت يعارض مصالح الجهات الممولة وهذا يضعنا أمام تساؤل جوهري حول حقيقة ما نراه هل هو نبض الشارع العراقي فعلاً أم صدى لتمويلات خفية تهدف إلى توجيه الغضب الشعبي أو تشتيته؟

هذه التحولات العميقة أدّت بالضرورة إلى تغيير هوية السياسي نفسه إذ شهدنا ظاهرة تحوّل النائب البرلماني من مشرّع رصين يسكن المجلدات القانونية إلى صانع محتوى يبحث عن اللايكات و المشاركات بات النائب يصوّر جولاته الميدانية بأسلوب “بلوكَر ” ويخاطب الجمهور بلغة عاطفية شعبوية بعيدة عن لغة الأرقام والخطط الاستراتيجية لشعوره بأن حصانته الحقيقية لم تعد تأتي من كتلته السياسية أو موقعه التشريعي بل من قاعدته الرقمية ومدى قدرته على حشد الجمهور خلف شاشته.

وفي عمق هذا المشهد برز تيك توك كساحة سياسية من نوع خاص للجيل العراقي الجديد الذي لا يستهلك المقالات الطويلة ولا يتابع جلسات البرلمان المملة التي تنقلها شاشة العراقية بل يصوغ أحلامه ومطالبه في مقاطع فيديو ساخرة ومتمردة عابرة للجغرافيا والطوائف تعتمد على العاطفة الجمعية السريعة وهو ما يشكّل برلماناً مصغراً أكثر خطورة وتأثيراً لأنه ينمو خارج سيطرة المنظومات التقليدية تماماً.

لكن الوجه المظلم لهذه الديمقراطية الرقمية يكمن في نزوعها نحو الغوغائية ففي عالم الشاشة لا يوجد وقت للتثبت ولا مساحة للتفكير المنطقي الهادئ بل هناك محاكمات رقمية فورية تصدر أحكاماً قاسية بالخيانة أو العمالة بمجرد اتهام مرسل مما يهدد السلم الأهلي في مجتمع مثقل بالانقسامات.

نحن اليوم ننتقل من دكتاتورية الفرد التي ألفناها في عقود سابقة، إلى دكتاتورية الخوارزمية التي تسير بالناس نحو التطرف في المواقف مما يعمّق الفجوة بين السلطة وجيل لم يعد يؤمن بالآليات الديمقراطية الكلاسيكية.

إن الحاجة اليوم في العراق ليست في محاولات تقييد هذه الشاشات أو حجب المنصات التي باتت متنفساً وحيداً للناس بل في تثوير العمل البرلماني التقليدي ليكون بمستوى سرعة وتطلعات الشارع والخروج من البرج العاجي للمنطقة الخضراء للتصالح مع الحقيقة الرقمية.

إن الديمقراطية العراقية المنشودة يجب أن تزاوج بين حيوية الشاشة ورصانة القانون وبدون هذا التكامل سنظل نراوح في مكاننا برلمان يشرّع في وادٍ معزول وشعب يصرخ في وادٍ افتراضي وشاشة زجاجية باردة تفصل بينهما محوِّلةً الوطن إلى مجرد ساحة عرض مفتوحة على احتمالات الفوضى والوهم.

الوسوم: مصطفى طارق