حقيبةُ الأطفال تُفاوض وكرامةُ الدول على طاولة واشنطن!

مقالات 17 April 2026
بقلم: راجي سلطان الزهيري

في نهاية شهر شباط اندلعت حرب شرسة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، حرب لم تكتفِ بتبادل الصواريخ بل تجاوزت كل الخطوط الحمراء حين استهدفت غارة مدرسة للأطفال داخل إيران لتخلّف أكثر من مئتي طفل ضحية، مشهد ثقيل كالرصاص، لا يُمحى من ذاكرة الشعوب بسهولة ولا يُطوى كصفحة عابرة في دفاتر السياسة.

بعد أربعين يوماً، خمدت النيران وبدأت المفاوضات في واشنطن، لكن ما لفت الأنظار ولم يكن تفصيلاً عابراً، هو ما حمله الوفد الإيراني معه إلى طاولة التفاوض، اذ لم تكن مجرد أوراق أو ملفات دبلوماسية تقليدية، بل حقيبة ملطخة بدماء أحد أطفال تلك المدرسة المنكوبة، حقيبة تحولت من أداة مدرسية بريئة إلى شاهد صامت يصرخ في وجه العالم ودليل إدانة لا يحتاج إلى ترجمة.

كانت تلك الحقيبة، بكل رمزيتها، رسالة سياسية بليغة: أن الدم لا يُنسى وأن المفاوض لا يذهب أعزل حين يحمل معه ذاكرة شعبه وآلامه، لقد أراد الوفد الإيراني أن يقول إن التفاوض ليس فقط لغة مصالح، بل أيضاً لغة كرامة وأن الطاولة التي تُبنى فوق الدم لا يمكن أن تُدار وكأن شيئاً لم يكن، وفي المقابل، يستحضر المشهد العراقي ذاكرة أخرى لا تقل ألماً. فمنذ عام 2003، شهد العراق موجات من العمليات الانتحارية التي حصدت أرواح آلاف الأبرياء، كثير منها نُفذ بأيدٍ جاءت من خارج الحدود، في مشهد دموي معلن لا يحتاج إلى إثبات وطبعاً تبقى جريمة سبايكر واحدة من أبشع تلك الفصول، شاهدة على حجم المأساة التي عاشها البلد.

ورغم كل ذلك، تبدو المفارقة موجعة؛ إذ تمضي الحكومة العراقية في سياسات انفتاح وتودد تجاه دول ارتبط اسمها، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتلك الحقبة الدامية بل إن مشهد المبادرات الرسمية بالتعزية أو التضامن يتكرر أحياناً بسرعة لافتة، حتى في قضايا أقل وزناً، ما يثير تساؤلات مشروعة حول معيار الكرامة الوطنية وحدودها.

إن المقارنة هنا لا تأتي من باب المفاضلة بقدر ما هي محاولة لفهم معنى السيادة في زمن مضطرب، فالدول لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على حفظ ذاكرتها وعدم التفريط بدماء أبنائها في زحمة الحسابات السياسية.

ما فعلته إيران، عبر تلك الحقيبة، هو تحويل الألم إلى ورقة ضغط، والذاكرة إلى موقف أما السؤال الذي يبقى مفتوحاً في الحالة العراقية، فهو: كيف يمكن تحويل ذاكرة الضحايا إلى قوة وطنية تحفظ الكرامة، بدل أن تبقى مجرد سرديات موجعة في أرشيف النسيان؟

في عالم السياسة، قد تُكتب الاتفاقيات بالحبر، لكن التاريخ يُكتب دائماً بالدم ومن ينسى، يدفع الثمن مرتين..