الإمام الصادق (عليه السلام) وجعفرية المدرسة الربانية
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ـ الأحزاب / 33
غالبًا ما يدور في أذهان المخالفين سؤال محير لا يجرؤ البعص الإفصاح عنه علنا وظاهرًا وثمة ملامح تشير إلى أنه مستور بالباطن والخفاء تظهره بعض الإيماءات أو الممارسات والتصرفات ورغم كل المحاولات للتستر آثر البعض الإفصاح عنه على إخفائه حيث أن المفصحون بعد أن لمسوا في أتباع أهل البيت عليهم السلام التعلق والتعمق بالحب والود والولاء الشديد والإلتصاق الروحي بأوليائهم مما دعا لأن يساور المخالفين الذهول والشك والظنون بل ربما وَلَّد الحسد في النفوس فراح هؤلاء المذهولون والحاسدون ونظائرهم يوجهون أسئلة إلى أتباع أهل البيت صلوات بصيغ وأنماط شتى وبعبارات او مفردات مختلفة إما تنكرا واستنكارا أو سخرية وهُزُوا أو استعلاما واستفهاما أو حسدا وحقدا وما يماثل ذلك .
وتوالت الأسئلة وتنوعت مرادفاتها وتغايرت وتباينت الألفاظ والقصد واحد وراحت تنهال على أتباع أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين ولعلها احتشدت وتجمعت في جملة واحدة مفادها : لِمَ توالون أهل البيت عليهم السلام .
ومما هو معلوم لدى الكثيرين جاهزية الأجوبة وهي الأخرى كثيرة وطويلة ومتعددة الألفاظ والأنماط أيضا إنما يمكن لها أن تصب في مصب الإقناع إن أقر الطرف الآخر بذلك أو آمن بقناعة.
الإلزام بالحجة البالغة
ولكن حين نحاول أن ننأى كل الناي عن التعقيد وعن الإطالة والتشعب وربما التشتت نكتفي بالوقوف في محطة واحدة مر عليها الكثير من الرواة الثقاة من الأولين والآخرين على مدى مرور الأزمان .
ففي تفسير آية التطهير ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ـ الأحزاب / 33
يلتقي المفسرون كافة لهذه الآية عند مرفأ واحد لا يغادره إلا من أصر على أن يعوم عكس التيار. فقد روي أن هذه الآية نزلت في بيت أم مسلمة فدعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة وحسنا وحسينا وعليا صلوات الله عليهم خلف ظهره فجللهم بكساء ثم قال صلى الله عليه وآله : اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، قالت أم سلمة : وأنا معهم يا نبي الله ؟ قال صلى الله عليه وآله : أنت مكانك وأنت على خير . شرح اصول الكافي ج6 / مولى محمد صالح المازندراني
إذن من خلال توجيه السؤال التالي : لِمَ نوالي أهل البيت عليهم السلام ؟
تتجلى حقيقة معرفتنا للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام في معرفة الله سبحانه وتعالى بعد معرفة أنفسنا إذ يعلمنا الإمام الدعاء بقوله: اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك ، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني إذن من هنا تبدأ معرفة الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وآله والحجج الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين فهم مصابيح الهداية وسفن النجاة والوسيلة إلى الله وإلى الصراط المستقيم .
ثمة برزخٌ بين الإيمان الكفر
جاء عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية الكريمة من قوله تعالى : ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ) ـ الحج / 24 قال إن الذين هدوا إلى الطيب من القول وإلى صراط الحميد ، هم الذين هدوا إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام وإن المراد من قوله تعالى : (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ والعصيان ) ـ الحجرات / 7 إنه حبب إليكم أمير المؤمنين عليه السلام ، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان .
جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله : أنا سيد من خلق الله عز وجل وأنا خير من جبرئيل وميكائيل واسرافيل وحملة العرش وجميع ملائكة الله المقربين وأنبياء الله المرسلين وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف وأنا وعلي أبوا هذه الأمة من عرفنا فقد عرف الله ومن أنكرنا فقد أنكر الله ومن علي سبطا نبي سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ومن ولد الحسين أئمة تسعة طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي وتاسعهم قائمهم ومهديهم وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا.
مدعاة أداء الحق لذي القربى
إذن إن ما يزيدنا تشرفًا وما يجعلنا غاية في الفخر والافتخار هو انتماؤنا إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام وتسمية أنفسنا بأننا أتباعهم عليهم السلام لأنهم الأئمة الدعاة والقادة الهداة والسادة الوُلاة والذادة الحماة وأهل الذكر وأولي الأمر وبقية الله وخيرته وحزبه وعيبة علمه وحجته وصراطه ونوره وبرهانه .
وزعمنا ذلك وبمصداقية تامة يحتم علينا أن ندرك تماما ماذا تستبطن هذه التبعية وما تتطلب من مستلزمات لبيان مصداقيتها .
وما بيان زعمنا وبرهانه إلا مدعاةٌ تفرض علينا أن نتزود بالعلم ونتسلح بالمعرفة وبعمق ونتمعن بالتزود بثقافات عالية تمكننا من الاستمرار على ثبات عقيدتنا والتمسك بها ولعل أول هذه الثقافات تكون الثقافة الدينية الواضحة المعالم.
صيغ ووسائل الإقتداء والإقتفاء
ثقافة الولاء والإقتداء ومصداقية تعقب الأثر والإقتداء هي المرشد أو البوصلة التي تحدد لنا طريق السلامة ومنه إلى الصراط المستقيم .
ومما لا يخفى على أي واعٍ أو متتبع إن بعضًا من مفاصل اكتساب هذه الثقافة ومحوريتها معرفة سِيَّر الأئمة الأطهار عليهم السلام والإقتداء والتأسي بهم واقتفاء آثارهم اقتفاء صادقا واضحا صحيحا وبمعرفة حقيقية تامة لشخصياتهم الربانية وملكوتيتهم العظيمة وهذه المعرفة تستمد من العزم والإصرار بدراسة وافية بالتوغل في أعماق سير أنوارهم دون أن يقتصر الحديث على معرفة أسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم أو عدد سنين أعمارهم الشريفة أو ما نقوش خواتمهم أو غير ذلك فإن بعض ذلك ربما يقتضي معرفته إنما بحدود معينة على أن لا يكون الإهتمام به يسبب مضيعة للوقت بل يكون أحيانا سببا من أسباب الإبتعاد عن جوهر المعرفة لِكُنْه حقيقتهم .
ومن مقتضيات المعرفة التامة هو السعي للإرتشاف من نمير علومهم والاستزادة من فيوضاتهم.
وهذا المعنى كان الدافع الأهم السائق أتباع أهل البيت عليهم السلام للسير على منهجهم الصائب صلوات الله عليهم لأنهم كواكب درية وشموس منيرة تشع بالعصمة والطهارة
الصادق عليه السلام الفجر الصادق
( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ـ فاطر / 32
في بيت ترتكز على أركانه العفة والطهارة ويتمحور به القدس ويستظل بظله الحق والكرامة وتنسلل سعادة الإنسانية. بيت تحيطه جلالة النبوة وإشعاعات الإمامة ويذري وهج الورع والتقوى. يقف جبرئيل عند بابه يستأذن قبل أن يلجه ليبلغ وحيه ورسالته .
بيت يهبط فيه الوحي ليزق كل من فيه علومه وتربيته ورعايته وتعليمه زقًا من وحي الله جل وعلا .
وسط هذه البيئة وفي هذه الأجواء أشرق النور الصادقي من مناحي السماء المحمدية واستضاءت وتبركت بتوهجه المدينة المنورة وكان هذا النور إيذانًا لانسكاب فيضٍ من العلوم الربانية مما لا توأم ولا مثيل لها.
إذ هو بدأ يستوحي العلم ويستقيه بالإنتهال من أنقى وأصفى وأزكى المنابع والمناهل ويغترف من بحار الدراية والمعرفة ويُزقُ العلوم من باقرها والده محمد الباقر عليهما السلام زقا ويحيط بالعلوم إحاطة إنموذجية مثالية. برع وتميز فيها لم يماثله أي نابغة ولا ينافسه أي متفقه متفوق بارع فهو بحر معارف طافح بالعلم اللدني المتوارث المستقى من الآباء والأجداد ومن وحي الله جل وعلا.
هو فيضٌ من فيوضات الرحمن التي تتدفق وتنهمر لتسكب خيرا وبركة توائم وفرة علمه الغزير الفائض غزارة مستمدة من خير وفضل علوم ومعارف جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ووارث الخلق الرفيع الملازم لخلق جده وصنوه ووصيه أمير المؤمنين علي عليه السلام والأئمة من بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ويغذى بالعلوم والآداب والمعارف والحِكَم ليكون قرآنا ناطقا يعقله أولو الألباب ممن يتدبرون آياته البينات .
تنتقل زعامة الأمة بل زعامة الدنيا إليه بعد أن ينتقل أبوه الباقر عليه السلام إلى الرفيق الأعلى فيتولى الأمر بزمام الإمامة .
آل على نفسه أن لا يدخر جهدا في نشر الحق والفضيلة والقيم والمبادئ الإنسانية وصمم على تأسيس جامعته الدينية الإسلامية الإنسانية الكبرى لتضم كل مبصر ومتبصر ومستبصر يبحث عن الحقيقية ويؤثر الفضيلة على الرذيلة والبصيرة على العمى ومناصرة الحق على مداهنة الباطل وزيفه بل الإصرار على مقارعة الباطل بنشر الحق والحث على نشر الفضيلة.
وللحق صولة وثبات ونفوذ
وبما أن جولات الباطل مستمرة على مدى الأزمان والطغاة متواجدون في كل مكان وزمان فكان لابد للإمام الصادق صلوات الله عليه وهو الصادق بكل كيانه وباطنه أن يواجه ما لم يواجه غير .
فقد راح الأمراء والحكام من الطغاة والظلمة يسعون سعيا حثيثًا دون ملل وكلل في إشاعة الرعب وتشديد الخناق على كل من يرغب أن يلج إلى حصون الخير ويتبع الحق .
وبما أن البلدان الإسلامية كانت تُحكم من قبل حكام الجور والضلالة فبدلا من أن ينتشر العدل الإحسان والإنصاف وتسود المساواة ومبادئ حقوق الإنسان بدلا من ذلك انتشر الرعب وكثر الفساد والرذيلة وأمست الأجواء ملبدة بغيوم الباطل وبدلا من أن يسود الحب والمودة لأهل البيت صلوات الله عليه بمعرفة فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم بدل ذلك عمت البغضاء والكراهية لآل رسول الله صلى الله عليه وآله بسبب جور الحكام وبطشهم ونشر الأكاذيب وتزييف الحقائق وشاعت الفوضى العقائدية وتشتت الآراء واضطربت الأفكار وتغايرت الميول والإتجاهات فانقسم الناس إلى أقسام وأصناف وأنماط فمنهم من ساير السلطة والحكام واتبع نهج الغدر والكفر والفسوق وعصيان الله جل وعلا ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله ومنهم من وقف على أعتاب الحيرة والتردد والإرتباك والجهل والغفلة دون أن يحدد وجهة نحوها يعدو وتستر البعض بالتقية حذرا وتجنبًا لسوء عاقبة وسبيلا لاتقاء شر الحكام والخلاص من المتابعة والمطاردة ونيل السلامة .
أما ضعاف النفوس ووعاظ السلاطين فكان لهم النصيب الأوفر في المساهمة بتشويش الأفكار واضطرابها والإنحراف عن جادة الصواب ومخالفة الحق والمجانبة الحقيقة والإستجابة لرغبات الحكام وتنفيذ مآربهم والترويج لما يسوغ لهم أن يستمروا على الحال نفسه عن طريق بيع الدين والضمير بأثمان بخسة .مقابل قلب الحقائق وتزييفها فراحوا يروجون لكل فاسد وباطل ويتصدون لكل صالح وفالح.
كل ذلك لم يحجب الإمام الصادق عليه السلام من المضي في طريق الحق ومناصرة منهج جده رسول الله صلى الله عليه وآله الذي هو منهج الله عز وجل ولم تثنِ عزيمته ممارسات الطغاة وألاعيب البغاة من تعقب واضطهاد ونشر رعب وتحذيرات وتهديدات.
تصدى وتحدى صلوات الله وسلامه عليه بكامل إصراره وعزمه لكل المحاولات واجتاز المحن وكل صنوف البلاء والابتلاء وقف طودا شامخا يتحدى كل أعاصير الإنحراف والتطرف وتحدى كل عنف وجور وبطش وقمع للحكام.
وشاءت الأقدار ان يعاصر الحفنة الحاقدة من الذي شاقوا الله جل وعلا ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله من الحكام مثل : عبد الملك بن مروان ، والوليد بن عبد الملك ، وسليمان بن عبد الملك ، وعمر بن عبد العزيز ، ويزيد بن عبد الملك ،وهشام بن عبد الملك ، والوليد بن يزيد ، ويزيد بن الوليد ، ومروان بن محمد آخر ملوك الفراعنة كما وصفه بعض الرواة .
وقد جاهد هؤلاء في أن يجعلوا الدور الجهادي للإمام الصادق عليه السلام مخفيا غير معلوم للعامة
واجه كل هؤلاء مواجهة القائد الفارس المدافع عن عقيدته وأسس جامعته الإسلامية الإنسانية الكبرى التي ظل منهجها يشع وينير العقول والأفكار وسيظل حتى يأذن الله سبحانه وتعالى أن يبرح الجميع هذه الأرض.
وقد أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم ومشاربهم وتباين آرائهم وتوجهاتهم والمنصفون منهم على الأخص أجمعوا على فضل الإمام الصادق عليه السلام وأقر الجميع على أن مدرسته تتصف بالشمولية وبعمومية دون أن تنفرد بعلم أو تقتصر في نشر العلم على فئة أو طائفة. وروى بعض الرواة أنه ما أجمع العلماء على أمر كما أجمعوا على شخصية الإمام الصادق عليه السلام في سعة علمه وعمقه ومتانة ورصانة دليله وحجته البالغة وشدة ورعه وتقواه وزهده وامتيازه في عبادته.. ولم يقتصر منهج مدرسته على الفقه والحديث بل تضمن الحديث والتفسير وعلوم القرآن والفنون والعلوم الإنسانية من علم الطبيعة وعلم الهيئة وطب وكيمياء وفلك وغير ذلك.
أطَلَّ بشخصيته الربانية الملكوتية وبفورة علميته وأفاض بعقليته الغضة الممتلئة من إنهيالات الوحي الإلهي المحمدي وسعى بتدبر تام إلى بلوَرة كل مضامين هذه العلوم وتألق تألقًا روحانيًا بإظهار مجهوليتها بتعريفها وترسيخها وحث على نشرها.
إن الحديث عن شخصية الإمام الصادق صلوات الله عليه وما تستبطن من أسرار وخفايا إلهية والرغبة في الخوض فيها يتعذر علينا تعريفها وحصرها في هذه الوريقات .ولكن ما هذا الذي سطرناه إلى إشارة خاطفة للمساهمة والتذكير بيوم مغادرته السجن الدنيوي إلى جنة المأوى للخلود مع آبائه وأجداده الكرام صلوات الله عليهم اجمعين.