تلوّث نهر ديالى يتسبب بنفوق آلاف الأطنان من الأسماك

سياسية 13 April 2026
في وقت تتصاعد فيه تداعيات التلوث البيئي في نهر دجلة، برزت أزمة نفوق آلاف الأطنان من الأسماك بوصفها مؤشراً خطيراً على تدهور نوعية المياه، وسط تفسيرات متقاطعة من الجهات المعنية، إذ عزت وزارتا البيئة والموارد المائية أسباب الأزمة إلى انتقال ملوثات من نهر ديالى، الناتجة عن تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة من محطة الرستمية، إلى جانب مخلفات المستشفيات والمنشآت الصناعية المنتشرة على ضفافه، في حين طرحت وزارة البيئة خطة عاجلة لاحتواء الأزمة والحدِّ من تفاقمها.

مديرة الدائرة الفنية في وزارة البيئة، الدكتورة نجلة محسن الوائلي، أوضحت في تصريح لـ"الصباح" أن الزيادة الكبيرة في الإطلاقات المائية من بحيرة سدة حمرين، نتيجة امتلائها بفعل موجات الأمطار الأخيرة، أسهمت في دفع كميات كبيرة من الملوثات المتراكمة في مجرى نهر ديالى نحو دجلة، ما أدى إلى تسريع انتقال موجة التلوث إلى مناطق أوسع.

وأضافت أن النهر فقد خلال السنوات الماضية جزءاً كبيراً من قدرته الطبيعية على التخفيف الذاتي، نتيجة انخفاض الإطلاقات المائية بفعل خمسة مواسم جفاف متتالية، الأمر الذي أدى إلى تراكم الملوّثات وتحول النهر إلى بؤرة رئيسة لها.وبيّنت الوائلي أن نتائج المراقبة البيئية كشفت عن وجود مزيج معقد من الملوثات، شمل معادن ثقيلة ومركبات عضوية، إلى جانب ملوثات بيولوجية كالبكتيريا والميكروبات الناتجة عن مياه الصرف الصحي، ما يعكس تعدد مصادر التلوث وتشابك تأثيراته. وأشارت إلى أن انخفاض مناسيب المياه ساهم في زيادة تركيز هذه الملوثات، بسبب ضعف قدرة النهر على التخفيف والتشتت، ما أدى إلى تفاقم الأضرار البيئية والصحية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية.

وأكدت أن نفوق الأسماك لا يرتبط بالتلوث فقط، بل يتداخل مع عوامل أخرى، أبرزها انخفاض مستويات الأوكسجين المذاب نتيجة تحلل المواد العضوية، إضافة إلى انتشار الطحالب الضارة التي تستهلك الأوكسجين وتؤدي إلى اختناق الكائنات الحية. وكشفت الوائلي عن إعداد خطة عمل متكاملة لمعالجة تلوث نهر ديالى، تتضمن إجراءات عاجلة تمتد لثلاثة أشهر، في مقدمتها إيقاف مصادر التلوث المباشر ومنع الطرح العشوائي للنفايات، إلى جانب إجراءات متوسطة تمتد حتى عام، وأخرى طويلة الأمد تصل إلى خمسة أعوام، تركز على إنشاء بنى تحتية مستدامة لمعالجة المياه وتحسين إدارتها.

في المقابل، أوضحت وزارة الموارد المائية، على لسان معاون مدير عام الهيئة العامة لتشغيل مشاريع الري والبزل، غزوان السهلاني، أن التلوث في بعض المقاطع النهرية يعود أساساً إلى استمرار تصريف مياه المجاري والنفايات غير المعالجة إلى الأنهار، لا سيما نهر ديالى الذي يضم مصادر تلوث مباشرة، أبرزها محطات المجاري الرئيسة في الرستمية. وأشار إلى أن زيادة الإطلاقات المائية من سد حمرين ومن نهر دجلة جاءت ضمن إجراءات مدروسة تهدف إلى تحسين نوعية المياه عبر تخفيف تراكيز الملوثات وتعزيز خلطها بمياه أفضل جودة.

وشدد السهلاني على أن الحلَّ الجذري للأزمة يتمثل في إنشاء وتشغيل محطات متكاملة لمعالجة المياه قبل تصريفها إلى الأنهار، وفق معايير صحية معتمدة، داعياً الحكومات المحلية والجهات البيئية إلى تشديد الرقابة ومحاسبة الجهات التي تقوم بتصريف مخلفاتها دون معالجة.ميدانياً، بدأت تداعيات الأزمة بالوصول إلى المحافظات الجنوبية، إذ أكد مسؤول شعبة الموارد المائية في قضاء علي الغربي بمحافظة ميسان، سعدي مهدي صالح، اتخاذ إجراءات احترازية بعد وصول موجة المياه الملوثة من محافظة واسط، شملت إيقاف مشاريع الإسالة والمجمعات المائية والمضخات، لمنع تسرب المياه الملوثة إلى شبكات التوزيع، مع تحذير المواطنين من استخدامها لأي غرض. كما دعا سكان ناحية علي الشرقي وقضاء كميت إلى تخزين المياه تحسباً لوصول موجة التلوث خلال فترة قصيرة.وفي محافظة واسط، كشف مسؤول الثروة السمكية رائد سعد عن خسارة أكثر من ألف طن من الأسماك نتيجة تلوث مياه دجلة، مشيراً إلى تضرر الأحواض العائمة في مناطق العزيزية والنعمانية بفعل المياه الآسنة والمخلفات الصناعية والزراعية ومياه الصرف الصحي، التي أدت إلى ارتفاع مستويات التلوث وتراكم الميكروبات، ما انعكس بشكل مباشر على الثروة السمكية.وفي ظل تصاعد الانتقادات، أصدرت وزارة الموارد المائية بياناً أوضحت فيه أن تلوث بعض المقاطع النهرية لا يرتبط بالإطلاقات المائية، بل يعود إلى تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى نهر ديالى من قبل جهات خدمية، مؤكدة أن إطلاق المياه من سد حمرين جاء لأسباب فنية تتعلق بالحفاظ على سلامة السد بعد امتلائه، وهو ما أدى إلى تحريك الترسبات الملوثة المتراكمة في قاع النهر باتجاه دجلة.وأكدت الوزارة أنها من أكثر الجهات تضرراً من هذه التجاوزات، داعية الحكومات المحلية ودوائر البلديات والمجاري إلى وقف رمي المياه غير المعالجة في الأنهار، لما لذلك من آثار خطيرة على نوعية المياه وصحة المواطنين.وتعكس هذه الأزمة حجم التحديات التي تواجه إدارة الموارد المائية في العراق، في ظل تداخل عوامل بيئية وبشرية، من بينها التغيرات المناخية وتراجع الإطلاقات المائية، إلى جانب استمرار التجاوزات على الأنهر، ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً بين الجهات المعنية لتطبيق حلول مستدامة تضمن حماية الأنهار والحفاظ على الثروة المائية والبيئية في البلاد.