المنطقة والحرب.. ماذا بعد الصفيح الساخن؟

مقالات 08 April 2026
د. خالد قنديل

على وقع صفارات الإنذار وصوت الانفجارات وأخبار الدمار، لا يزال العالم يعيش مشهدًا طويلًا من الفوضى، بدأ ربما بإرهاصات في الأراضي المحتلة، ثم أخذ يتصاعد خلال عامين من أكبر حرب إبادة في التاريخ شهدها قطاع غزة والأراضي الفلسطينية التي نهبها الاحتلال ليتمدد بعدها في لبنان وسوريا، وليبدأ فصل جديد من معاناة المنطقة وإرهاقها، ومن ذات التحالف الشيطاني بين واشنطن وتل أبيب باتجاه إيران مباشرة، في حرب جاءت بالوبال على الجميع.

هذه الحرب التي دخلت شهرها الثاني بأيام، تعد إحدى فقرات العبث التي يصر مهرج البيت الأبيض وصاحبه "بيبي"، ألا يغادرا المسرح قبل إتمامها بكارثة أمام كل الجمهور، بينما يعجز العالم كله سوى من محاولات ضئيلة وجادة لوقفها، لكنها لا تجد الصدى الكافي الذي يؤيدها ويدعم مساراتها، ذلك أن العالم، وخصوصًا الأوروبي، قد انكشف ضعفه وهوانه أمام الصلف الأمريكي وعنجهية ترامب، الذي لا يزال لاعبًا بالنار في سيرك الحرب التي نصبها، وفي الوقت الذي يجيش فيه الجيوش، ويدفع بطائراته ومقاتلاته وصواريخه نحو المدن الإيرانية، التي تكبدت كثيرًا من الخسائر؛ تحت ذريعة التخلص من القدرات النووية وطموحات إيران في هذا الملف، يتحدث ترامب عن مقترحات لوقف النار، ويعطي مهلًا لا تنفذ بالأيام والساعات، حيث لا تزال مصانع إيران وبنيتها التحتية وجسورها ومدارسها وجامعاتها والمدنيون يُقصفون.

ليتبادر إلى الأذهان السؤال المنطقي الذي يحتاج إلى إجابة منطقية: هل رفض إيران مقترحات ترامب لوقف إطلاق النار تجنيًا؟ هل تعد أمريكا في ظل الحكم الترامبي طرفًا يمكن الوثوق به وبوعوده والتعويل على تعهداته؟ لذا أصبح مفهومًا كليًا، إن لم يكن مقبولًا كليًا، لماذا ترى طهران أن جزءًا كبيرًا من أوراق قوتها ينبع من موقعها الجغرافي وسيطرتها على واحد من أهم الممرات البحرية، الذي تعبر منه نسبة كبيرة جدًا من تجارة النفط العالمية. 

بعد بلوغ هذا المأزق الذي تعيشه المنطقة ويلقي بآثاره وتبعاته على الاقتصاد العالمي، يصرح ترامب بأنه قد أنهى مهمته في إيران، ثم يعطيها المهلة قبل أن يعيدها مرتزقة تل أبيب وواشنطن إلى العصر الحجري، ثم تمطر بعدها طهران الاحتلال بوابل من الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، وتعجز الملاجئ على استيعاب الفارين إليها، وتشهد شوارع أمريكا والكيان المحتل الاحتجاجات لوقف الحرب، وتُسقط إيران طائرتين مقاتلتين تابعتين لسلاح الجو الأمريكي، "إف-15" و"إيه- 10وراثوج"، في ملمح من استنزاف إستراتيجي يتجاوز الأبعاد العسكرية الميدانية، إذ إن تكلفة تعويض الطائرات وأنظمتها المتطورة، تضع ضغوطًا كبيرة على موازنات الدفاع، وتؤثر كذلك على سمعة تلك الأسلحة، فضلًا على أنه منذ بدء هذه الحرب على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، ووفقًا لأحدث أرقام نشرها البنتاجون، أصيب نحو أربعمائة جندي أمريكي، وقُتل نحو خمسة عشر جنديًا.

يدرك الشارع الأمريكي الكُلفة الباهظة على عاتق وزارة الحرب الأمريكية، في ظل تصاعد المواجهات الحالية، ومن قبل ذلك في إرسال حاملات الطائرات والأسلحة المتطورة والصواريخ التي تحمل أطنانًا من القنابل إلى الكيان المحتل في حربه الدنيئة على غزة، والتي لا تزال جرحًا مفتوحًا لا يندمل، غير أن ترامب لا يرى سوى ذاته ومصلحته وغروره وقوته المزعومة، كما يرى نصب عينيه مذلته التي وضعت أصابعه في فك نتنياهو واللوبي الصهيوني، بعد فضيحة ملفات جيفري أبستين، التي أقال على أثرها وزيرة العدل، كما أقال رئيس الأركان الذي يرفض الاستمرار في حرب أنهكت اقتصاد أمريكا من الجوانب كافة، ولم تكن مبررة.

نعم هناك حالة من الهلع المستمر داخل الكيان المحتل، ومع القتال خارج الأراضي المحتلة، يفر جنود الاحتلال من الجنوب اللبناني تاركين وراءهم المهمات والمعدات العسكرية، ورغم كل التكتم المفروض على الأوضاع، يعاني جيش الاحتلال من نقص كبير في عدد الجنود لتغطية الجبهات المختلفة، ويعاني من إنهاك خطير بسبب زيادة مدد الخدمة، وعدم وجود أفق لنهاية الحرب، التي لم تحقق شيئًا من أهدافها، فيما تحقق نزوات نتنياهو وحكومته المتطرفة، ووسط مشهد غير مسبوق من زيادة عدد المهاجرين، الذين ملأوا مطارات ومعابر الخروج إلى الجهة الأخرى من البحر حيث البلاد التي جاءوا منها.

غير أن كل ذلك لا ينفي حقيقة وواقع استمرار الحرب وتصاعدها يومًا بعد يوم، ولا يزال ترامب يطلق تصريحات البلطجة، وترسل واشنطن صواريخ كروز الشبحية لاستخدامها في القتال، ويصرح جيش الاحتلال بأنه لا يزال هناك أسبوع آخر من الحرب، وترد إيران بصواريخها وتحكم قبضتها على هرمز، بينما تكتفي أوروبا والصين بالتشاور، وبينما يقول بعض الوسطاء إن جهود الوساطة بلغت طريقًا مسدودًا، فيما يرى البعض أنها في مسارها الصحيح. 

ولعلنا نعوّل متفائلين على هذا الصوت، الذي يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة، بأن تتكاتف الأطراف الدولية، سواء المضارة مباشرة من استمرار هذه الحرب، أو التي أثرت على مساراتها الاقتصادية والتنموية، بل وأثرت على مساحة هائلة من العالم خارج نطاق المنطقة، لتفعيل ودفع مبادئ المنظمات الدولية المناهضة للاعتداءات وسلب الحقوق ومقدرات الأوطان، بما يعني مباشرة تقييد الأحلام الشيطانية لكل من نتنياهو وحكومته المتطرفة، وإنزال ترامب من مسرح السيرك الشيطاني الذي اعتلاه في غفلة من الشعب الأمريكي.