أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (26)

مقالات 17 March 2026
بقلم: نزار حيدر

{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}.

  دجَّالٌ واحدٌ يكفي لخداعِ أُمَّةٍ، ورشيدٌ واحدٌ يكفي لفضحهِ وتعرِيتهِ!.

  ففي قصَّةِ نبيَّ الله موسى (ع) تمكَّن السَّامرِيُّ بمفردهِ أَن يخدعَ قومهُ ولُيضلِّلهُم وبالتَّالي يقنعهُم بعبادةِ العجلِ الذي صنعَ لهُ خُوارٌ يشبهُ إِلى حدٍّ بعيدٍ خُوار العِجل الحقيقي {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}.

  وهو بفعلهِ المُخادع الشَّنيع وظَّفَ [المُقدَّس] بطريقةٍ سيِّئةٍ ليصبَّ في خدمةِ [التَّضليل الدِّيني} وعندما لامهُ موسى (ع) على ذلكَ رمى الكُرةَ في ملعبِ نفسهِ الدَّنيئةِ ليقولَ لهُ بأَنَّهُ فقدَ السَّيطرةَ عليها وبالتَّالي فعلَ الذي فعلهُ من جريمةٍ بِلا إِرادةٍ من نفسهِ فلقد غلبَ فُجُورها تقواها، على طريقةِ المُجرمِ إِبنِ مُلجَم الذي ضربَ أَميرَ المُومنينَ (ع) في محرابِ صلاةِ الكوفةِ في رمضان المُبارك عام [٤٠ للهجرةِ] فعندما سأَلهُ الإِمامُ عن سببِ فعلتهِ الشَّنيعةِ ردَّ المُجرِمُ قائلاً {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ} وهو بهذا الإِستشهادُ يريدُ أَن يرمي كُرةَ المسؤُوليَّةَ على حالةِ اليأسِ التي وصلَ إِليها وبالتَّالي فهوَ مُسيَّرٌ وليسَ بمُخيَّرٍ!.

  وهي الأَعذارُ التي يلجأُ إِليها المُجرمُونَ عندما يقعُوا في المصيدةِ!.

  بإِزاءِ هذا الدجَّال [الواحد] كانَ هُناك مُؤمنٌ واحدٌ فقط هو الذي لَم يخدعهُ السَّامريُّ فظلَّ ثابتاً على إِيمانهِ لم يُضلِّلهُ [الخِداع الدِّيني] أَلا وهوَ نبيَّ الله هارُون (ع) الذي شدَّهُ الله تعالى بعضُدِ أَخيهِ نبيَّ الله موسى (ع) {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}.

 السُّؤال؛ لماذا لم يُحاول هارون (ع) فعلَ شيءٍ لإِيقافِ الدجَّالِ عندَ حدِّهِ والحيلُولةِ دونَ عبادةِ القَومِ للعجلِ؟!

  عادةً ما يقفُ المرءُ بإِزاءِ عمليَّةِ الخداعِ التي يتعرَّض لها المُجتمع، ومنها الخِداع الدِّيني، عندَ مُفترقِ [٣] طرقٍ؛

  فإِمَّا أَنَّهُ يمتلِكُ أَدواتَ التَّغييرِ والإِصلاحِ وقادِرٌ على ذلكَ ويمتلِكُ شرعيَّةَ الأَمرِ فيُبادرُ قدرَ استطاعتهِ لتحقيقِ ذلكَ بنفسهِ كأَن يتحرَّك أَوَّلاً لوحدهِ {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} ثُمَّ يُشرِكُ مجموعةً لتكبرَ شيئاً فشيئاً لمواجهةِ الزَّيفِ والتَّضليلِ والخداعِ.

  *أَو أَنَّهُ لا يمتلكُ سِوى الخطاب الإِيماني الذي يوظِّفهُ لإِيصالِ الحقيقةِ إِلى المُجتمعِ، من خلالِ النُّصحِ والتَّحذيرِ والتَّنبيهِ وما أَشبهَ ذلكَ {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}.

  *أَو أَنَّهُ لا يمتلِكُ شيئاً لا مِن هذا ولا مِن ذاكَ، فلم يكُن أَمامهُ إِلَّا أَن يتمثَّلَ قَول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وقولهُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} و {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.

  أَمَّا هارون (ع) فهو قد علَّلَ موقفهُ بعدمِ التصدِّي المُباشر لخديعةِ السَّامريِّ لأَخيهِ موسى (ع) بقولهِ {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي* قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}.

  فهو إِذن قدَّم الأَهمَّ [الحِرصُ على وحدةِ المُجتمعِ] على المُهمِّ [الإِكتراثُ بتوحيدِ المُجتمعِِ].

  خلاصةُ القَولِ أَنَّ أَمامهُ خيارَينِ لا ثالثَ لهُما؛ فإِمَّا أَن يكونَ صالحاً {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِالْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَـٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} أَو أَن يكونَ مُصلحاً {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} والمُكلَّفُ عادةً يعرِفُ واجبهُ الشَّرعي والأَخلاقي والقانوني حقَّ المعرفةِ ومِن دونِ أَن يُبرِّرَ ليتهرَّبَ من المسؤُوليَّةِ، فهوَ أَعرفُ بنفسهِ إِن كانَ قادراً على المُشاركةِ في الإِصلاحِ وبالطَّريقةِ التي يقدَر عليها وبالأَدواتِ التي يمتلكَها، العِلمُ والمعرِفةُ والأَخلاقُ والقانُونُ مثلاً، أَو أَنَّهُ لا يقدرُ إِلَّا أَن يكونَ صالحاً فلا يكونُ جُزءاً من جَوقةِ المخدُوعينَ والمُضلَّلينَ، وهذا أَمرٌ مهِمٌّ جدّاً لا ينبغي الإِستهانةَ بهِ إِذا اختارهُ المرءُ.

  ولقد أَشارَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لهذهِ الحالةِ بقولهِ {كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ والثِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ ! كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَه وانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا والضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا.

  الذَّلِيلُ واللَّه مَنْ نَصَرْتُمُوه! ومَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ إِنَّكُمْ (واللَّه) لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ وإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ويُقِيمُ أَوَدَكُمْ ولَكِنِّي لَا أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي.

 أَضْرَعَ اللَّه خُدُودَكُمْ وأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ! لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ ولَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ!}.

الوسوم: نزار حيدر