أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (19)
{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}.
والخِداعُ من أَخطرِ الأَسبابِ التي تُنتجُ [الصَّدمةَ].
وهوَ على نَوعَينِ؛ خِداعٌ بسيطٌ وآخرَ مركَّب.
أَمَّا البسيطُ فهو المرُء المخدُوعُ الذي لا يدري إِنَّهُ مخدوعٌ وفي ذاتِ الوقتِ لم ينبِّههُ أَحدٌ أَو يشِرُ عليهِ بأَنَّهُ مخدوعٌ، فلَو نبَّههُ أَحدٌ لأَفاقَ رُبَّما.
وأَمَّا المُركَّب فهوَ الرَّجل المخدُوع الذي يدري بأَنَّهُ مخدوعٌ وفي نفسِ الوقتِ فإِنَّ كثيرينَ ينبِّهونهُ ويُحذِّرونهُ من أَنَّهُ مخدوعٌ لكنَّهُ يُصِرُّ على أَن يبقى مخدوعاً لأَيِّ سببٍ كانَ فهوَ [مُرتاحٌ] لحالةِ الخِداع!.
يحدِّثُنا الله تعالى عن هذا النُّموذجِ في كتابهِ الكريم {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وقولهُ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ}.
أُنظرُوا كيفَ أَنَّهم يُصِرُّونَ على انحرافهِم من خلالِ شيطنةِ الآخرينَ والتَّقليلِ من شأنهِم ليظهرُوا وكأَنُّهم الأَفضلُ في كُل شيءٍ [الوعي والنَّزاهة والإِيمان]!.
طبعاً هذا كلَّهُ بسببِ المرضِ في قلوبهِم جرَّاءَ إِبسالهِم الكذِب! كما يُخبرُنا القرآن الكريم {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.
وهذا هوَ الخِداعُ المركَّب، فإِذا أَصابَ فرداً فذلكَ أَمرٌ هيِّنٌ ولكنَّ المصيبةَ كُلَّ المصيبةِ إِذا أَصابَ مُجتمَعاً فليسَ لهُ وقتها مِن حلٍّ.
والخِداعُ بشيئَينِ؛
فتارةً يكونُ بالأَشخاصِ عندما يصدِّقُ أَو يتَّبعُ المرءُ شخصاً هو ليسَ محلُّ ثقةٍ أَو يُصادقُ أَو يصاحبُ الدجَّالين والكذَّابين الذينَ يُحدِّثنا عنهُم القرآن الكريم بقولهِ {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ}.
ولذلكَ أَوصى المُشرِّع بأَن يتجنَّبَ المرءُ مُصادقةَ التَّاليةَ عناوينهُم وهويَّاتهم؛ فقد رُوِيَ عن أَبي جعفرٍ مُحمَّد بن عليِّ زينِ العابدين(ع) أَنَّهُ قالَ؛ أَوصاني أَبي فقال؛ لا تَصْحَبنَّ خمسةً ولا تُحادثهُم ولا تُرافقهُم في طريقٍ، قلتُ؛ فداكَ يا أَبتِ مَن هؤُلاءِ الخمسَةَ؟ قالَ؛ لا تصحبنَّ فاسِقاً فإِنَّهُ يبيعكَ بأَكلةٍ فما دونَها، قلتُ؛ يا أَبتِ وما دونَها؟ قالَ؛ يطمعُ فيها ثمَّ لا ينالَها، قلتُ؛ يا أَبتِ ومَن الثَّاني؟ قالَ؛ لا تصحبنَّ البخيلَ فإِنَّهُ يقطعُ بكَ في مالهِ أَحوجُ ما كنتَ إِليهِ، قلتُ؛ يا أبتِ ومَن الثَّالث؟ قالَ؛ لا تصحبنَّ كذَّاباً فإِنَّهُ بمنزلةِ السَّرابِ يُبعِدُ منكَ القريب ويقرِّبُ منكَ البعيدَ، قلتُ؛ يا أَبتِ ومَن الرَّابعِ؟ قالَ؛ لا تصحبنَّ أَحمقاً فإِنَّهُ يريدُ أَن ينفعكَ فيضرُّكَ، قلتُ؛ يا أَبتِ ومَن الخامِس؟ قالَ؛ لا تصحبنَّ قاطعَ رحِمٍ فإِنِّي وجدتهُ ملعُوناً في كتابِ الله في ثلاثةِ مواضِعَ.
وتارةً يكونُ سببُ الخِداع الخَبر والمعلُومة كأَن تُدمِنُ على مُتابعةِ الأَخبارِ الكاذبةِ أَو المعلُومة التي تنقُل لكَ نِصفَ الحقيقة وليسَ كُلَّها، وهوَ الأَمرُ الذي يُسبِّب لكَ التَّشويشَ المُزمنَ والتَّضليلَ الخطير معَ تراكُمِ مثلِ هذا النَّوعِ من الأَخبارِ.
يقولُ تعالى {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}.
والأَخطرُ منهُم أُولئكَ الذين يوظِّفونَ حُسنَ القولِ وجمالِ الخطابِ والأَدبِ الرَّاقي لتضليلِ النَّاسِ وخِداعهِم كما يصفهُم القُرآن الكريم {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.
وهوَ الصِّنفُ الذي حذَّرَ منهُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) على لسانِ رسُولِ الله (ص) بقَولهِ (ع) {فَإِنَّه لَا سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وإِمَامُ الرَّدَى ووَلِيُّ النَّبِيِّ وعَدُوُّ النَّبِيِّ ولَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه (ص) (إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً ولَا مُشْرِكاً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُه اللَّه بِإِيمَانِه وأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللَّه بِشِرْكِه ولَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ عَالِمِ اللِّسَانِ يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ ويَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ)}.
وأَخطرُ ما في الأَمرِ عندما يتلبَّسُ الخِداعُ الإِنسانَ حتَّى يصلَ بهِ الحالُ إِلى أَن يكونَ حطبِ نارِ الباطلِ، فيضحِّي بِلا سببٍ ويُقتَلُ بِلا علَّةٍ ويموتُ وهوَ لا يدري لِماذا ماتَ؟!.
يصِفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) حالَ أَصحابِ مُعاوية بقولهِ {أَلَا وإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ وعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ}.
إِنَّ الأَثرَ المُدمِّرَ لخِداعِ المعلُومة أَو الخبَرِ هو مِن أَخطرِ الأَسبابِ التي تُفجِّرُ العِلاقات بينَ النَّاس وكذلكَ العِلاقات الإِجتماعيَّة وهوَ سببٌ للكثيرِ من الفتَنِ التي تعصِفُ بالمُجتمعِ، ولذلكَ حذَّرَ منها المُشرِّع أَشدَّ تحذيرٍ بقولهِ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
ومن أَجلِ ذلكَ أَكَّدَ المُشرِّعُ على مبدأ المسؤُوليَّةِ في كُلِّ ما تسمعُ وتقرأُ وترى حتَّى لا تتسرَّعَ في المُتابعةِ والنَّقلِ {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
فإِذا رأَيتَ مُجتمعاً مخدُوعاً فتأَكَّد بأَنَُهُ يتُابعُ الأَخبار والمعلُومات والتَّقارير والمقاطِع والصُّور الخطأ والتي تنشُرها وسائِل التَّواصل الإِجتماعي والتي لا أُبالغُ إِذا قلتُ بأَنَّ أَكثرَ من نصفِها كذبٌ ودجلٌ وتلفيقٌ لخداعِ الرَّأي العامِّ وتضليلهِ لقيادتهِ في الإِتِّجاهِ الذي يريدهُ [الكِبار] الذينَ يقودُونَ [الدَّولة العمِيقة] في البلادِ وفي العالَم!.