بين النص والتأويل.. هل ينهي "مقال" رئيس مجلس القضاء "أزمة الكتلة الأكبر" ؟

تقارير 03 March 2026
تتناول رؤية القاضي فائق زيدان تشخيصاً جريئاً لما وصفه بـ”الخطيئة الدستورية”، مقدماً تقييماً قانونياً يرى في التفسيرات السابقة للمحكمة الاتحادية بخصوص مصطلح “الكتلة الأكبر” خروجاً عن روح النص وانحرافاً نحو “الدور الإنشائي”.

سياسياً، تعكس هذه الرؤية محاولة لاستعادة قيمة صناديق الاقتراع وحماية الاستقرار من الصفقات اللاحقة، مقترحاً ثلاثة مخارج محورية: التعديل الدستوري الصريح، أو تعديل قانون مجلس النواب، أو العودة لتفسير قضائي مقيد يربط الكتلة بالفوز الانتخابي الحصري.

تفسيران للكتلة الأكبر

يقول الخبير القانوني علي التميمي، إن “المادة 76 من الدستور العراقي فسرتها المحكمة الاتحادية مرتين، الأولى بالقرار التفسيري رقم 25 لسنة 2010، والثانية بالقرار رقم 7 لسنة 2022″، موضحاً أن “المادة تنص على أن يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه”.

ويضيف، أن “التفسير الأول لعام 2010 اعتبر أن الكتلة الأكثر عدداً هي إما الفائزة بالانتخابات أو التي تتشكل من تكتل عدة قوائم في الجلسة الأولى لمجلس النواب، بحيث تكون الأعلى عدداً من حيث النواب، فيما جاء التفسير الثاني لعام 2022 ليوسع المفهوم، إذ اعتبر أن الكتلة الأكثر عدداً يمكن أن تقدم في أي مرحلة ما دام لم يعلن عنها رئيس الجمهورية، مستنداً في ذلك إلى المادة 45 من قانون الانتخابات”.

ويشدد التميمي على “ضرورة التفريق بين مفهومي التكتل والتحالف، لأن الكتلة الأكثر عدداً ينبغي أن تحدد ابتداء بوصفها الفائزة بأعلى عدد من المقاعد النيابية، وهي التي يخرج منها رئيس مجلس الوزراء، ثم تقبل بعد ذلك التحالفات معها دون اندماج الكتل الأخرى فيها، بما يحقق العدالة والديمقراطية ويكرس أساس النظام البرلماني القائم على الأغلبية والمعارضة”.

إعادة تفسير الكتلة

ويرى الخبير التميمي، أنه “يمكن طلب إعادة تفسير المادة 76 استناداً إلى المادة 7 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية رقم 21 لسنة 2025، نتيجة للتغيرات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، كما توجد حلول أخرى، منها تعديل الدستور وفق المادتين 142 و126، وهو مسار معقد يتطلب إجراءات طويلة تبدأ بطلب من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية أو خمس أعضاء مجلس النواب، ثم موافقة الأغلبية المطلقة، وتشكيل لجنة برلمانية، وطرح التعديلات للاستفتاء الشعبي خلال مدة شهرين، ويعد التعديل ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين ما لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات”.

ويتابع، أن “الحل الثاني يتمثل في تعديل قانون مجلس النواب رقم 13 لسنة 2018، بحيث تسجل الكتلة الأكثر عدداً في الجلسة الأولى وتثبت صفتها باعتبارها الجهة التي يخرج منها رئيس مجلس الوزراء، مع السماح بالتحالف معها لتحقيق النصاب القانوني المطلوب للتصويت، وهو الأغلبية المطلقة”.

الحل العادل

ويردف التميمي: “الحل الثالث يكمن في إعادة تفسير المادة 76 وربط الكتلة الأكثر عدداً بنتائج الانتخابات بوصفها الفائزة ابتداء، ومن يرغب في التحالف معها يفعل ذلك لاحقاً لتحقيق النصاب”، متفقاً مع هذا المسار، لأن “الانتخابات تفقد معناها إذا أمكن تشكيل كتل أخرى لاحقاً تنتزع صفة الأكثر عدداً من الكتلة الفائزة ابتداء، لذا فإن الكتلة الحائزة على أعلى المقاعد هي التي ينبغي أن يخرج منها رئيس مجلس الوزراء، ثم تبرم التحالفات لتحقيق النصاب القانوني”.

مثالب دستورية

وعدّ رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، أمس الثلاثاء (3 آذار مارس 2026)، التفسير السائد لمفهوم الكتلة النيابية الأكثر عدداً “تفسيراً شابه عدد من المثالب الدستورية”، وأدى إلى أزمات سياسية متعاقبة، مؤكداً أن ظاهر المادة 76 من الدستور يشير بوضوح إلى الكتلة الأكبر هي الفائزة فعلياً في الانتخابات لا المتشكلة لاحقاً داخل البرلمان.

وقال القاضي زيدان، في مقال نشره في جريدة الشرق الأوسط تحت عنوان: “خطيئة التفسير الخاطئ للدستور”، إن قرار المحكمة الاتحادية رقم 25 لسنة 2010، الذي اعتبر الكتلة المتشكلة عبر التحالفات داخل مجلس النواب هي الكتلة الأكبر، خالف ظاهر النص الدستوري، وأتاح تغيير النتائج التي عبر عنها الناخبون في صناديق الاقتراع، ما أسهم في عدم الاستقرار السياسي وجر البلاد إلى مفاوضات معقدة وأزمات متكررة في دورات 2010 و2018 و2021.

الثقة الدستورية

وأكد زيدان، أن التوسع في التفسير نقل المحكمة من دورها التفسيري إلى دور إنشائي بوضع قاعدة جديدة لم ينص عليها الدستور صراحة، معتبراً ذلك توسعاً غير مسموح أضعف الثقة بالمشروعية الدستورية.

وطرح رئيس مجلس القضاء الأعلى، ثلاثة مسارات للمعالجة، أولها إجراء تعديل دستوري صريح يحسم تعريف الكتلة الأكبر بوصفها القائمة الفائزة انتخابيا، وثانيها تعديل قانون مجلس النواب لإلزام تسجيل الكتلة الأكبر في الجلسة الأولى ومنع تغيير صفتها لاحقاً، وثالثها عودة المحكمة الاتحادية إلى تفسير مقيد يربط الكتلة الأكبر بنتائج الانتخابات حصراً، بما يعيد الاستقرار ويضمن الأمن الدستوري.

وفي 23 كانون الثاني 2017، تولى القاضي زيدان رئاسة مجلس القضاء الأعلى، ليصبح من أبرز الشخصيات القضائية في العراق، حيث تدرج في عدد من المناصب القضائية، إذ شغل منصب رئيس محكمة التحقيق المركزية المختصة بمكافحة الإرهاب والجرائم المهمة عام 2005، ثم نائب رئيس محكمة استئناف بغداد في 2006، وعضو محكمة التمييز الاتحادية في 2012، قبل أن يصبح نائباً لرئيس محكمة التمييز الاتحادية في 2014، ثم رئيساً لها في 10 شباط 2016.

ويأتي مقال القاضي زيدان في سياق بحث القوى السياسية عن مخرج قانوني ودستوري لأزمة تشكيل الحكومة، وسط تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية وتساؤلات بشأن شكل الحكومة المقبلة وتوازناتها.

وبرزت مواقف سياسية داعمة لرؤية زيدان من قبل عدد من السياسيين العراقيين، الذين اعتبروا أن حسم مفهوم الكتلة الأكبر وفقاً لنتائج الانتخابات يمثل خطوة ضرورية لإنهاء الجدل وترسيخ الاستقرار الدستوري.

إعادة الاعتبار للدستور

حيث اعتبر زعيم تحالف السيادة خميس الخنجر، أمس الثلاثاء، أن رؤية رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، بشأن مفهوم الكتلة الأكبر تمثل خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار لروح الدستور العراقي وصناديق الاقتراع.

وأشار الخنجر، في بيان نشره على صفحته في منصة “إكس”، إلى أن التجارب المتكررة منذ عام 2010 أثبتت أن ترك المصطلح الدستوري مفتوحاً أمام التحالفات اللاحقة داخل البرلمان لتشكيل الحكومات، أدى إلى صفقات طويلة أرهقت الدولة ورسخت الطائفية وسمحت بتدخلات خارجية وأضعفت ثقة الشارع بالعملية الانتخابية.

وبين، أن اعتماد معيار القائمة الفائزة انتخابياً يضع حداً للالتباس، ويحمي الإرادة الشعبية من الالتفاف السياسي، ويؤسس لأمن دستوري واستقرار سياسي طال انتظاره، عاداً الالتزام بظاهر النص الدستوري يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن الدستوري ويمنع تحويل القضاء الدستوري إلى فاعل سياسي.

كما شدد على أن نتائج صناديق الاقتراع يجب أن تكون الأساس في تكليف تشكيل الحكومة، لا التفاهمات اللاحقة التي قد تغير الاتجاه السياسي الذي اختاره الناخب.

وفي آذار من عام 2010، وبعد تصاعد الجدل بين إياد علاوي، الذي حصدت قائمته 91 مقعداً وبين المالكي وائتلافه الذي فاز 89 مقعداً، ببشأن مفهوم الكتلة الأكبر، حيث قال علاوي إن الدستور واضح في ذلك، وإن الكتلة الأكبر هي التي تحرز أكبر عدد من المقاعد عند إجراء الانتخابات، مما دفع المالكي لتوجيه رسالة إلى مجلس القضاء الأعلى الذي كان يرأسه القاضي مدحت المحمود مستفسراً عن تفسير “الكتلة الأكبر”، فأجاب المحمود بأنها الكتلة التي تتشكل في البرلمان بعد ائتلافها مع كتل أخرى، وليس المقصود بها التي تحرز أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات.

ودخل ملف تشكيل الحكومة العراقية مرحلة أكثر تعقيدا بعد الموقف المفاجئ للرئيس الأميركي دونالد ترمب الرافض لعودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، وهو ما نقل الخلاف من إطاره الداخلي إلى مستوى يرتبط بعلاقة بغداد بواشنطن وتوازناتها الإقليمية.

وجاءت تصريحات ترامب في وقت كان فيه الإطار التنسيقي قد أنهى مشاوراته بشأن ترشيح المالكي، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة التفاهم مع بقية القوى السياسية، إلا أن الموقف الأميركي أعاد خلط الأوراق ووضع التحالف الشيعي أمام خيارات محدودة وأكثر كلفة سياسياً.



المصدر: العالم الجديد