أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (12)

مقالات 02 March 2026
بقلم: نزار حيدر

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.

  سببٌ آخرَ يحُولُ دونَ الإِصغاءِ إِلى النَّصيحةِ أَو التَّعاملِ بجديَّةٍ معَ التَّحذيرِ أَلا وهوَ الإِستهزاءُ والسُّخريَةُ والضِّحكُ!. 

  فبعضُ النَّاسِ يسخرُ من الفكرةِ والتَّحذيرِ إِذا لم يستَوعِبهُ في لحظَتِها ولم يفهَم شيئاً منها، في الوقتِ الذي ينبغي عليهِ أَن يُهدِّئ من رَوعهِ وينتظِرُ قليلاً قبلَ أَن تبدُرَ منهُ مظاهرَ الإِستهزاءِ والسُّخريَةِ.

  إِنَّ قُدرةَ النَّاسِ على الإِستيعابِ تختلِفُ من واحدٍ لآخر، فليسَ كُلُّ البشرِ متساوُون في القُدُرات العقليَّة الإِستيعابيَّة، وهذا أَمرٌ طبيعيٌّ لا ينبغي أَن يصدِمَنا أَو نُفاجَأُ فيه، إِلَّا أَنَّ غَير الطَّبيعي هوَ ردود الأَفعالِ السلبيَّةِ وأَحياناً غَير الأَخلاقيَّة التي تبدرُ من بعضهِم!.

  يحدِّثُنا القرآن الكريم عن الكثيرِ من حالاتِ الإِستهزاءِ والسُّخريةِ عند الأَممِ السَّابقةٍ من دعوةٍ أَو تحذيرٍ أَو فِكرةٍ أَو مشرُوعٍ! وأَحياناً عن أَشخاصٍ مُهمِّينَ في المُجتمعِ، وعادةً ما تكونُ العاقِبةُ هي الخُسران المُبين وإِنقلابِ الصُّورةِ ولَو بعدَ حينٍ.

  فمثلاً، قولُ الله تعالى {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ* فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}.

  تصوَّر كم هوَ حجمِ السُّخرية والإِستهزاء بحيث ينسى القَومُ أَصلَ المَوضوعِ والهدفِ من النَّصيحةِ أَو التَّحذيرِ [ذِكرُ الله تعالى].

  والملفتُ للنَّظرِ هُنا فإِنَّ عاقبةَ الذينَ يضحكُونَ من النَّصيحةِ أَو يسخرونَ من التَّحذيرِ هوَ البُكاءُ في نهايةِ المطافِ ثُمَّ يتوسَّلُونَ لإِعادةِ النَّصيحةِ على مسامعهِم مرَّةً أُخرى! ولكن بعدَ فَواتِ الأَوانِ. 

  فيما تنقلبُ المعادلةَ لصالحِ النَّاصحِ الذي كانَ محطَّ سُخريَةٍ فيضحكُ في نهايةِ المطافِ! ولذلكَ قيلَ في المثلِ [مَن يضحكُ أَخيراً يضحكُ كثيراً] عندما تتجلَّى لحظةُ الحقيقةِ الكُبرى {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.

  ولعلَّ في قصَّةِ نبيَّ الله نوح (ع) نموذجٌ جميلٌ ورائعٌ ينبغي التَّذكيرَ بهِ دائماً لتكونَ عبرةً، خاصَّةً للمُستعجلينَ الذينَ ينسَونَ قَولَ الله تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} وقولهُ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}.

  تقولُ القصَّةُ {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}.

  فعندما لم يستوعبُوا فِعلَ الرَّسولِ سخِرُوا منهُ، ولو كانُوا قد صبرُوا وبذلُوا بعضَ الجهدِ لاستيعابِ الفعلِ وفهمهِ فلربَّما كانُوا قد توقَّفُوا عن الإِستهزاءِ حتَّى إِذا لم يقبلُوا بهِ، فقد لا يستوعب المرءُ فعلاً معيَّناً أَو فكرةً مُعيَّنةً، وهذا أَمرٌ طبيعيٌّ كما أَسلفنا {ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ} ولكن بدلاً من الإِستهزاء والضِّحك يلزمهُ أَن يكسِبَ الوقتَ ليمنحَ نفسهُ بعضَ الفُرصةِ ليُناقشَ الفكرَةَ أَو المُقترح أَو التَّحذيرِ فقد يستوعِبهُ فيما بعدُ، فلماذا الاستعجالُ وبالتَّالي تضييعِ النُّصحَ وإِضاعةِ التَّحذيرِ؟!.

  وبالمُناسبةِ فإِنَّ جهلكَ بالشَّيءِ أَو ضعفَ قُدرتِكَ على الإِستيعابِ لا ينفيهِ وهوَ ليسَ دليلُ فشلِ النَّصيحةِ، أَبداً.

  وأَغربُ النَّماذِجَ هُم الذينَ يستعجِلونَ الفِكرةَ أَو النَّصيحةَ فإِذا جاءَت كفرُوا بها!.

  يقُولُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ* قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ}.

  ولذلكَ قالت الحِكمةُ [كُلُّ شيءٍ بوَقتهِ جميلٌ].

  السُّؤال؛ مَن الذي يُحدِّدُ وقتَ النُّصحِ أَو التَّحذيرِ أَو حتَّى الفِكرةُ والرَّأيُ؟!.

  أَوَّلاً؛ الحاجةُ والظُّروفُ.

  ثانياً؛ الفُرصةُ والإِستعدادُ.

  ثالثاً؛ طبيعةُ النُّصحِ، فتارةً يكونُ فكرةً مُستقبليَّةً، أَي فكرةٌ جديدةٌ لتحسينِ الأَداءِ مثلاً أَو تطويرهِ وتحديثهِ سواءً كانَ مشروعاً أَو أَدواتٍ.

  وتارةً يكونُ النُّصحُ لإِيقافِ فشلٍ أَو تدهوُرٍ في الإِنجازِ أَو ما إِلى ذلكَ.

  ولكُلِّ واحدٍ وقتهُ المُحدَّدِ.

  ومن النَّماذِجِ الواضِحةِ بهذا الصَّددِ هوُ رفضُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لتولِّي السَّلطةَ [الخِلافةَ] بعدَ مقتلِ الخليفةِ الثَّالثِ مُباشرةً، لأَنَّهُ (ع) كانَ يعلمُ بالتَّجرِبةِ المُرَّةِ التي مرَّت بالأَمَّةِ، أَنَّها لا يُمكِنُ أَن تستوعِبَ مشروعهُ، إِلَّا أَنَّهُ بسببِ الضَّغطِ الذي تعرَّضَ لهُ (ع) وبحِساباتِ المصلحةِ العُليا قبِلَ الأَمرَ في نِهايةِ المطافِ حِمايةً للأُمَّةِ ولأَهدافِها السَّماويَّةِ السَّامِيةِ.

  يقولُ (ع) شارِحاً المَوقفَ بشَكلٍ دقيقٍ {دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَه وُجُوه وأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَه الْقُلُوبُ ولَا تَثْبُتُ عَلَيْه الْعُقُولُ وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوه أَمْرَكُمْ وأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!}.

الوسوم: نزار حيدر