بائع الدوندرمة في كربلاء قديما :سيرة حرفة وذاكرة مدينة محل "نزهت الفرات" انموذجا

مقالات 23 February 2026
بقلم طه خضير الربيعي

لم تكن صورة بائع الدوندرمة في كربلاء مشهدا عابرا في صيف عراقي لاهب، بل كانت علامة من علامات الزمن الجميل، ورمزا لفرح بسيط يتسلل إلى القلوب قبل أن يبلغ الألسنة. بعربته الخشبية المتواضعة، التي تئن تحت وطأة القيظ، كان يجوب الأزقة والحارات الشعبية، فيتقدمه صوته أو يسبقه شوق الصغار إليه، حتى غدا حضوره جزءا من الإيقاع اليومي للمدينة، كما تتكرر الشمس في عليائها، وكما يتردد الأذان في فضاءاتها.

عرفت كربلاء صناعة الدوندرمة منذ مطلع القرن العشرين، حين أخذت هذه الحرفة طابعها الأصيل، فكانت صنعة تقوم على الصبر والدقة وحسن الاختيار. لم تكن الدوندرمة آنذاك مجرد حلوى باردة، بل ثمرة خبرة متوارثة، يمزج فيها الصانع الحليب والسكر والسحلب بعناية، ويقلب المزيج بيد خبيرة حتى يبلغ القوام المنشود؛ أبيض ناصعا، متماسكا، مطاط الملمس، يختلف عن سائر الأنواع بطراوته ومذاقه. وكانت (دوندرمة الحليب) تعد ذروة المهارة في هذا الفن، لما تحتاجه من مواد مخصوصة كالسحلب و(التيهان)، لتمنحها تلك الليونة المحببة التي يعرفها أهل الذوق ويأنسون بها.

برز في تلك الحقبة رجال اقترنت أسماؤهم بإتقان الصنعة، فصار لكل واحد منهم طابع يميزه، كما تتباين المقامات وتتنوع الألحان. ومع مطلع أربعينيات القرن الماضي، شهدت المدينة نقلة نوعية، إذ ظهرت محال متخصصة في بيع الدوندرمة والشعرية، يقصدها الأهالي في أيام الحر طلبا للانتعاش ولحظات الصفاء.

ومن أشهر تلك المحال التي استقرت صورتها في الذاكرة الجمعية محل مرطبات (نزهة الفرات) في وسط شارع علي الأكبر، لصاحبه الحاج حسين الشربتي (أبو عبد الأمير). كان المحل فسيحا ببابين، تنتظم فيه المناضد والكراسي في ترتيب أنيق يدل على ذوق صاحبه الرفيع. وقد كسيت جدرانه بالمرايا الملونة، تعكس حركة الرواد وضحكاتهم في مشهد حي نابض، فيما تتصدر الزجاج لوحة لنهر الفرات تحف به النخيل، كأنما أراد صاحب المكان أن يجمع بين برودة الدوندرمة وحنين الماء الجاري في صورة واحدة. كما تحوي جدران المحل بعض الصور والتحف التراثية ولا تزال تلك الساعة الجدارية (ام البندول ) انكليزية الصنع في ذاكرة رواد المحل ,كانت تعزف دقات الترحيب والتوديع للزبائن , هناك في محل (نزهت الفرات )كانت الدوندرمة تُقدم في كؤوس زجاجية شفافة، تزيدها بهاء، وتضفي على تناولها طابعا احتفاليا رقيقا.

كان بعض الرواد يفضلون مزج الدوندرمة بالشعرية، مع إضافة شيء من المطيبات أو ما يُعرف بـ(السفن)، فتتداخل القوامات وتتعانق النكهات، وتمنح المتذوق متعة مضاعفة لا يكدر صفوها إلا سرعة انقضاء الكأس. ولم يكن المكان يهب زبائنه حلاوة الطعم فحسب، بل كان يمنحهم طيب المعاملة وصدق الأخلاق؛ إذ كانت البشاشة جزءا من الوصفة، وكانت الكلمة الطيبة تُقدم قبل الكأس. رحم الله الحاج حسين الشربتي، الذي بقي اسمه مقرونا بذكرى صيف لا يغيب.

ومع تعاقب السنين، دخلت المعامل الأوتوماتيكية هذا المجال، فسهلت الإنتاج ووسعت دائرة الانتشار، غير أن روح الحرفة بدأت تخفت شيئا فشيئا. فبعد أن كانت السمعة الطيبة عماد المهنة، غلبت عند بعضهم نزعة الربح السريع، ولو على حساب الجودة وصحة الناس. وهكذا تبدلت الموازين، وغابت عن كثيرين قدسية الصنعة التي كانت تقوم على الأمانة قبل المهارة.

إن الحديث عن الدوندرمة في كربلاء ليس استذكارا لحلوى باردة، بل استدعاءٌ لذاكرة مدينة، واستحضارٌ لملامح زمن كان فيه البائع يعرف زبائنه بأسمائهم، ويقيس نجاحه برضاهم لا بكثرة ما يبيع. إنها حكاية صيف عراقي قديم، كانت فيه العربة الخشبية تجر وراءها طفولة كاملة، وتترك في الأزقة أثرا من حلاوة لا تذوب، مهما طال عليها الزمن.