المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 310

ما وراء التأجيل

img

سالم مشكور

أستغرب وصف أحد السياسيين، إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة بالكارثة. حجته أن أكثر من مليونين ونصف مليون مواطن هم الان نازحون في المخيمات. لا أدري أين مكمن " الكارثة" هنا؟ هذا إذا افترضنا صحة الاعداد التي تساق عن النازحين الذين يطلق البعض أعداداً أكبر لهم فيما يشبه الامر ببورصة تستخدم للمزايدة والاستخدام السياسي دون أن يفكر مطلقو هذه التصريحات بانها ستحرّك أسئلة جوهرية حول سبب بقاء هؤلاء في المخيمات حتى الان؟ وتقصير هؤلاء في توفير الخدمات لهؤلاء؟ ومصير الاموال التي رصدت لهم؟.
الجواب على هذه الأسئلة هو الذي يوضح السبب في دعوات وتحركات هؤلاء باتجاه تأجيل الانتخابات. فالتقصير الحاصل من جانب السياسيين تجاه سكان المدن التي تعرضت لاحتلال عصابات داعش خلق رأياً عاما رافضاً لهم في هذه المدن، لدى من عادوا، أو لم يعودوا حتى الان، الامر الذي يقلل كثيرا من نصيب هؤلاء من الفوز في الانتخابات. ذريعة وجود النازحين في المخيمات ليست مقنعة كسبب يحول دون اجراء الانتخابات. مفوضية الانتخابات تعلن انها تستكمل اجراء مشاركة عراقيي الخارج، وهؤلاء بالملايين وموزعون على أرجاء الكرة الأرضية، رغم ما يشكله ذلك من عبء تنفيذي ومالي، فكيف تعجز عن تنظيم مشاركة النازحين في مخيمات محددة في الداخل العراقي؟.
الخشية من الانتخابات لدى الكثير من سياسيي المناطق الغربية، تعود الى أن القناعات الجديدة التي أفرزتها الظروف القاسية بفعل معاناة السنوات الماضية، شكلت أرضاً خصبة لتحركات منافسين يريدون دخول الساحة بوجوه جديدة وخطاب جديد يحاول كسب عواطف الجمهور ويناغم حاجاته وتطلعاته، دون أن يعني ذلك بالضرورة انه سيقدم أداء ونزاهة أفضل من سابقيه، لكن مراهنتهم ستبقى على استمالة عواطف الناخبين.
قد لا يقتصر التوجّس من نتائج الانتخابات القادمة، على سياسيي المناطق الغربية، بل يتعداهم الى الساحات الأخرى التي تشهد مزاجاً شعبياً نافراً من كثير من الوجوه القديمة، سواء كان هذا النفور قائما على أسباب حقيقية أم بفعل الدعاية السياسية التي جهدت في زرع اليأس والاحباط لدى الجمهور من كل الوضع السياسي الذي قام بعد 2003. فالساحة الشمالية تشهد صراعاً داخليا بين القوى السياسية فضلا عن جزع شعبي مما آلت اليه الاوضاع المعيشية للمواطنين الكرد بسب حماقات بعض سياسييهم وحالات الاستبداد التي تسيطر على مقدراتهم، وكذا الامر في ساحة الوسط والجنوب التي تعاني ذات الموقف النافر من كثير من الوجوه السياسية. هذه الساحة تشهد ازدهار تحركات لدفع وجوه جديدة (اشخاصاً وجهات) لتأخذ نصيبها من الساحة السياسية. مهما كانت الأسباب والمبررات فان تأجيل الانتخابات ربما يعني الغاءها وإدخال البلاد في دوامة من الفوضى والصدام السياسي الذي لا يضمن أحد عدم تطوره الى ما هو أبعد، بوجود دور إقليمي ودولي شديد التأثير في الواقع الداخلي الهشّ. عدم اجرائها يعني التخلّي عن أهم أركان الديمقراطية الوليدة التي نحاول ترسيخها على أسس صحيحة.