المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 577

القضاء العراقي.. مشروع التخريب العميق

img


بقلم: سليم الحسني

ليست مشكلة العراق في قوانين الانتخابات والقوائم والمرشحين والتحالفات البرلمانية، وليست المشكلة في المستقلين أو الحزبيين حين يتسلمون المناصب الحكومية في الوزارات والدوائر، إنما المشكلة الأكبر في فساد القضاء.

إن أكبر الكفاءات وأهم الخبرات الادارية ستفشل في إدارة مؤسسة واحدة طالما لا يمكن محاسبة المقصر والمرتشي والسارق. وقد صار هذا الأمر واضحاً لكل الموظفين والسياسيين ورؤساء الكتل، فهناك حماية يوفرها القضاء للفاسد، وصار القاضي يحظى بضربة حظ حين تُحال اليه قضية سرقة واختلاس، فسيحكم فيها حكماً ينتشله من حال الى حال، بحيث تتغير حياته المعيشية بشكل واضح، بحسب الملف ومنصب المسؤول المدان.

كانت سلطة الاحتلال الأميركي بعيدة النظر، عندما صممت القضاء العراقي على أساس فاسد، ووفرت له الحماية المطلقة مقابل أن يؤدي مهمة محددة، هي أن يجعل القضاء العراقي متاجرة بين السياسيين.

من قمة الهرم القضائي انساب الفساد الى كل أجزائه، وراح يتسع سريعاً ليطفئ ومضة الضمير عند الكثير من القضاة، فالمسؤول الفاسد يشتري البراءة بسعر معلوم والقاضي يقبض الثمن ويبصم على صك البراءة.

كانت هذه العملية كفيلة بأن تجعل العراق بلداً لا يمكن بناؤه، وهذا هو الذي تريده الولايات المتحدة في مرحلة أساسية تخطط لها وتريد أن تفرضها على منطقة الأوسط كلها.

بهذا المسار المضاد لأبسط قيم العدالة، انتشرت ثقافة الرشوة والفساد والابتزاز والجريمة، وصارت هي الطابع الثابت لكل مؤسسات الدولة، كما صارت هي عماد العملية السياسية بدءً من الانتخابات ومروراً بتوزيع المناصب وانتهاءً بالمسؤولية الإدارية في الوزارات والبرلمان ومجالس المحافظات.

بفساد القضاء تصبح عملية بناء الدولة مسألة مستحيلة، وتتحول كل الجهود العلاجية الى محاولات ضائعة تنتهي الى الزوال، فحين تغيب العدالة من الدولة، فان الخراب يصبح هو نتيجتها الحتمية.

إن مشاريع الإصلاح وأمنيات بناء الدولة لن تكون واقعية ما لم تبدأ من القضاء، فهو نقطة البداية التي يجب تركيز الجهود عليها، والقيام بثورة تصحيحية لهذه المؤسسة المفصلية، يتولاها علماء الدين والمثقفون والكتّاب والمواطنون بصوت واحد، وهو عامل مشترك لا يختلف عليه العراقيون، ولا يعارضه إلا الفاسدون والذين يريدون شرّاً بالعراق ومستقبله.

ستضيع بقايا المنظومة الأخلاقية والمشاعر الوطنية من المجتمع، ما لم نتحمل كلنا مسؤولية إصلاح القضاء الفاسد. فالعراق في خطر.