لقاءات 0 104007

العنف ضد النساء

img

مطلوب قانون للحماية من العنف الأسرى

بهيجة حسين

ليس العنف ضد النساء ظاهرة منفصلة عن العنف الذى يشهده المجتمع المصرى والذى أصبح يمثل خطرا عليه، وإن كان للمرأة النصيب الأكبر منه وفقا لمنظومة متكاملة اقتصادية واجتماعية وسياسية، تضر ليس المرأة فحسب بل تنعكس بآثارها على الأسرة والمجتمع كله، وحتى نواجه هذه الظاهرة هل نحتاج لقانون يجرم العنف الأسرى ضد النساء أم أن المسألة أعقد وأعمق من مجرد إصدار قانون وترتبط بوضع عام ثقافى وتربوى واجتماعى واقتصادى وسياسى؟.

وقد عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى إعلانها العالمى للقضاء على العنف ضد المرأة بأنه: أى فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو جنسية أو نفسية للمرأة بما فى ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفى من الحرية.

ورغم الإعلان العالمى ورغم جميع الجهود الساعية للقضاء على العنف ضد المرأة فإن الأرقام فى العالم كله مازالت تسجل نسبا عالية فى وقائع تعرض النساء العنف وسنستثنى منها العنف فى أزمنة الحروب وسنسجل العنف الأسرى فحسب كمؤشرات فى بعض البلدان، وقد أكدت أحدث دراسة للأمم المتحدة أن العنف ضد المرأة حاد، وإن أكثر أشكال العنف انتشارا تتعرض له المرأة هو العنف الجسدى الذى يلحقه الزوج. وذكرت الدراسة أن نحو 10 % من الزوجات يعانين من العنف النفسى من الأزواج، كما رصدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان خلال الستة أشهر الأولى من العام الماضى تعرض 48 امرأة للقتل بسبب الخلافات الزوجية وتعرضت 26 امرأة للموت أو القتل بسبب أشكال متنوعة من العنف الأسرى، وقد رصد التقرير وقوع 49 حالة قتل ضد الأزواج من جملة 60 حالة ثم رصدها بسبب خلافات زوجية وإصابة العدد المتبقى بعاهات مستديمة بسبب الضرب بآلة حادة أو الحرق.

إن ظاهرة العنف ضد المرأة لكونها أنثى تعتبر ظاهرة عالمية ففى الولايات المتحدة الأمريكية هناك زوجة يضربها زوجها كل 18 ثانية وإن 79% من الرجال الأمريكان يضربون زوجاتهم ضربا يؤدى إلى عاهة مستديمة، وفى الإجمال فإن 40% يتعرضن للضرب المبرح والاعتداء الجسدى من قبل الأزواج. وعموما فإن النساء اللواتى يتعرضن للعنف والاغتصاب المنزلى يشكلن 5% من إجمالى الحالات المرضية فى الفئة العمرية من 15 إلى 44 عاما فى الدول النامية.

وأيا كانت الرؤية والأرقام فالعنف - تحديداً العنف الأسرى - قائم بل ويتزايد وهذه بعض شهادات لنساء عانين منه:

جسمى وجعنى من كتر الضرب.. جوزى بيضربنى ضرب فظيع.. أنا مش عايزة بنتى تشوف اللى أنا شفته.. بابا كان بيضرب ماما بملة السرير وكنت أفضل أرتعش طول الليل.

بيعرف ستات على، بيودينى عند أمى أو أخته ويجيب الستات البيت.. بيضربنى بأى حاجة.. آخر مرة رفع على السكينة وقطع خرطوم البوتاجاز وكان عايز يولع فينا أنا والعيال.

أبويا مات وأنا عندى 15 سنة، أخويا أشتغل علشان يصرف علينا بس فى الحقيقة نص الفلوس كان بيصرفها على الخمرة، ويرجع بالليل سكران.. وكان يحاول ينام معايا، كنت بقاوم بس كانت مقاومتى بتنهار بالذات لما كان يفاجئنى وأنا نايمة.

كل ما أتمناه فى الدنيا إن جوزى ينادينى باسمى ويبطل كلمة جاموسة.. مرة كنت مع جيرانى وسمعت حد بيقول جاموسة اتلفت كأنه بينادينى.

أوجاع وإهدار للكرامة

هذه بعض من أوجاع وآلام وانكسار نفس وكرامة سناء وهناء وخديجة وسهير فى شهادتهن إلى مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسى لضحايا العنف وضمها كتاب أصدره المركز بعنوان نساء ضد العنف - شهادات من داخل الأسرة المصرية كن قد تعرضن للعنف الأسرى من الزوج والأب والابن والأخ، ولجأن للمركز طلبا للمساعدة والدعم النفسى والقانونى من الأطباء والمحامين، أما غيرهن ممن لم يلجأن لأحد وقد تعرضن للعنف فعددهن أكثر مما نتخيل وربما وبنظرة على صفحات الحوادث بالصحف نستطيع الوقوف على حجم العنف الذى أصاب المجتمع المصرى بشكل عام، والموجه ضد المرأة بشكل خاص، فمن منا لم ينخلع قلبه عندما قرأ مأساة الطفلة البالغة من العمر 12 عاما والتى قيد شقيقها ساقيها بالجنازير وحرمها من الطعام والشراب لعدة أيام حتى أصيبت ساقاها بالغرغرينة واضطر الأطباء لبترهما، وكانت القيود والتجويع والضرب عقابا لها على خروجها المتكرر للشارع، وحتى تكتمل قتامة المأساة فقد انتهكت براءة الطفلة بإجراء الكشف الطبى عليها للتأكد من بقاء غشاء بكارتها دون مساس وقد أثبت الطب أنها مازالت عذراء.

عشرات القصص التى نقف أمامها مذهولين أو خائفين مما أصاب المجتمع المصرى بداية من الأبناء الذين يعتدون على أمهاتهم بضرب أفضى إلى الموت، وليس نهاية بطعن الزوجات بآلات حادة أو حرقهن لأنهن تأخرن فى إعداد الطعام أو كوب من الشاى، إنه العنف الذى يلازم المرأة منذ لحظة مولدها ودليلنا موروثنا الثقافى الشعبى ولما قالوا دى بنية اتهدت الحيطة عليه ويا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات واكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرين.

مشروع القانون

كان هذا العنف المتنامى ضد النساء هو الدافع لعدد من الجمعيات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحقوق المرأة لوضع مشروع قانون يهدف لحماية النساء من العنف الأسرى وهو المشروع الذى عقد مركز النديم حلقة بحثية لمناقشته بنقابة الصحفيين فى شهر ديسمبر الماضى شارك فيها المستشار هشام البسطويسى والنائب حمدين الصباحى وعدد من ممثلى المنظمات والجمعيات الأهلية.

وتم التأكيد فى ورقة النقاش على أن التمييز الجنسى - على أساس النوع - ما زال قائما فى الثقافة والقانون والعلاقات الاجتماعية وإن التعليم مازال يعيد إنتاج الفكر التمييزى كما أكدت على اختراق الفكر الظلامى والتمييزى وتمكنه من مجتمعنا وثقافتنا بعمق.

ويستهدف مشروع القانون أن تكون الأسرة بيئة آمنة تضمن لأفرادها حياة كريمة ونموا صحيحا ويتحقق ذلك من خلال - وفقا للمشروع - اعتبار العنف الذى تتعرض له المرأة داخل الأسرة جريمة يعاقب عليها القانون بكل ما يترتب على ذلك من آثار مع توفير أقصى حماية ممكنة لضحايا العنف الأسرى فى كل حالات العنف البدنى والنفسى والجنسى واتخاذ التدابير اللازمة التى من شأنها تطوير الدور الذى تلعبه مؤسسات الدولة ذات الشأن فى حالات العنف الأسرى، ووضع تدابير وقائية تترافق مع خدمة شاملة بما فيها الخدمات العاجلة لضحايا العنف وإساءة المعاملة وبرامج الدعم لتلبية الاحتياجات الخاصة للضحايا من برامج استشارية وعلاجية وتعليمية أو تثقيفية للضحايا كما للمعتدين أنفسهم، كذلك برامج مساعدة لزيادة وعى المجتمع بخطر العنف الأسرى ومضاره، تعيين مستشاريين وخبراء متخصصين لمساعدة الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين والقضاة للتعامل مع الضحايا ومساعدتهم لإعادة تأهيل المعتدين وتدريبهم حتى لا يتكرر الاعتداء مع إفساح المجال أمام مؤسسات المجتمع المساندة وتمكينها من لعب دورها الإيجابى فى دعم ومساندة المرأة التى تتعرض للعنف.

كما نص مشروع القانون على إلزام الجهة الإدارية - وزارة التضامن الاجتماعى - بتقديم عدد من الخدمات للنساء اللاتى تعرضن للعنف منها: إنشاء دور إيواء كافية وواحدة على الأقل فى كل حى سكنى، إيداع الأطفال مع أمهاتهم حتى سن 14 عاما فى دور الإيواء أو توفير مكان آمن لهم بنفس المنطقة إذا تعدوا السن القانونية، تقديم خدمات عاجلة للضحية تشمل الرعاية الطبية والنفسية والنقل والمأوى والعلاج والمأكل والاستشارة القانونية.

وبشأن العقوبات فى مشروع القانون جاءت المطالبة بتطبيق أحكامه على قضايا العنف الأسرى طبقا للتعريفات الواردة بالقانون دون الإخلال بأى عقوبات أشد فى قانون آخر وقد اقترح المشروع أنه وفى الحالات التى لا يسرى فى شأنها قانون العقوبات يصدر الحكم بإحالة المتهم بجريمة العنف الأسرى إلى أحد مراكز التأهيل، وإخضاعه لبرنامج تدريبى بها لمدة ستة أشهر، وفى حالة العودة يعاقب المتهم بالحماقة ببرامج خدمة المجتمع، وتشدد العقوبة بأحكام قانون العقوبات إذا كانت المجنى عليها معاقة أو طفلة أو قاصرا، ويجب أن يتضمن الحكم إبعاد المتهم عن المجنى عليها خلال مدة تنفيذ العقوبة أو توفير الحماية لها متى طلبت ذلك.

الجانى مصدر الحياة

ويتفق المستشار هشام البسطويسى مع فكرة التشريع لحماية النساء ضد العنف الأسرى مع اختلافه مع بعض الجزئيات وذلك لأهميتهاوقال: منذ التحاقى بسلك القضاء وكنت أعمل بالدخيلة بالإسكندرية لفت انتباهى العنف ضد المرأة ووقفت أمام قضية شروع فى قتل كان المتهم فيها الزوج الذى طعن زوجته بالسكين، وأثناء التحقيق فوجئت بالزوجة تدخل مكتبى هاربة من المستشفى وهى غارقة فى دمائها لتوقف أى قرار حتى بحبس زوجها بل دافعت عنه ونفت الاتهام وزعمت أنها سقطت فوق السكين، ولم تتوقف عن ترديد: يا بيه هو مضربنيش أنا فى عرضك لو حبسته ولادى حيضيعوا وطلبت إخلاء سبيله فورا لأنه لو تم حبسه لن تجد هى وأولادها مصدرا للحياة.

ويضيف المستشار البسطويسى: بعد هذه الحادثة بسنة عملت بنيابة الأحداث وتعاملت مع الأحداث ولاحظت العلاقة الوثيقة بين انحراف الأحداث والعنف فى المنزل، العنف ضده أو ضد أمه، هذه الوقائع دفعتنى لمطالعة تجارب الدول الأخرى ودرست قضية العنف ضد النساء، وكنت أحلم أن يغير المجتمع سلوكه لأن العنف ليس قاصراً على الرجل، بل هو منهج حياة فى المجتمع كله، حتى المرأة فهى تمارس العنف على أولادها، فى تسلسل من الأقوى للأضعف، فمن يتعرض للعنف من سلطة أعلى يسعى لتفريغه ضد الأدنى.

وتعليقا على مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسرى قال المستشار هشام البسطويسى: نحن لسنا فى حاجة لقانون يعاقب العنف بالعنف، فالحبس عنف هدفه العقوبة لتحقيق الردع بينما العالم ينظر للعقوبة كوسيلة للإصلاح وليس للردع الذى لن يحل المشكلة، فالقوانين الرادعة لجرائم المرور لم تحل مشكلة المرور، ولم ينته البناء على الأرض الزراعية بموجب القوانين، وحتى لو شددنا العقوبة لحد الإعدام، فالإعدام لم يمنع الاتجار بالمخدرات وأصبح تاجر المخدرات الذى ينتظر حكم الإعدام بالقانون مدفوعا لقتل الضابط.

ويرى المستشار البسطويسى أن العنف دليل عجز وعدم قدرة على إجراء الحوار والإقناع وللخروج من دائرته فقد قال: الحلم الذى أحلم به هو إيجاد منظومة متكاملة وأن يأتى دور القانون منظما لها، المشكلة هى مشكلة ثقافة ووعى وليست مشكلة قانون لأن تجريم العنف قائم بالفعل فى قانون العقوبات، نحن نحتاج إلى أن يتغير المجتمع كله، وحتى يتم ذلك لابد أن نقر أن المجتمع أصبح لديه ميل للعنف والعقاب، وعلينا ترسيخ وإيجاد طريقة للتحاور وحل المشكلات بدون عنف.

لذا لابد أن يقدم مشروع القانون المثل على الإعلاء من لغة الحوار وألا يستسهل طريق العقاب، وأن ندرك أن تقديم مشروع القانون يعنى أننا نطلب من الدولة الشرعية والمشروعية حتى تتمكن منظمات المجتمع الأهلى من القيام بالمهمة الأساسية فى مناهضة العنف، كما أنه ينبغى عدم إلقاء العبء على الدولة لأنها دولة فاشلة وتعتنق لغة القهر والعنف ولا تجيد لغة الحوار.

ويقترح المستشار البسطويسى - انطلاقا من رؤيته التى تستهدف التربية والحوار - وضع خطة أو برنامج لإنشاء مكاتب بالقاهرة والإسكندرية ثم تتطور إلى مراكز بكل المحافظات تتوافر فيها تخصصات من خريجى الخدمة الاجتماعية وعلم النفس ورجال الدين المتفتحين المؤهلين بدراسات نفسية وتربوية، وأن يتم وضع برامج مبسطة كدورات تدريبية وتثقيفية تقدم كخدمة مسبقة قبل ظهور المشكلة، وأن يلزم كل شاب وفتاة بالتوجه لهذه المراكز لتلقى دورات ومعلومات عن الحقوق والواجبات الزوجية، ومعرفة الهدف من إنشاء أسرة وكيفية تنشئة الأولاد، حيث إن الشباب لا ينظرون للزواج إلا من منظور الجنس فقط.

ويرى المستشار البسطويسى أن مثل هذه الدورات المبسطة ستساهم وتساعد فى توفير الوعى مع شرط الحصول قبل الزواج على شهادة تثبت اجتياز الدورة وقد طبقت هذه التجربة فى دول أوروبية بنجاح، كما يرى ضرورة وضع شروط حمائية للمرأة فى وثيقة الزواج كحق المرأة فى التعليم والعمل والتطليق أى أن تنص الوثيقة على هذه الحقوق، كما أكد أنه مع القانون فى إطار فلسفة الإصلاح وليس الردع، فى إطار منظومة متكاملة اقتصادية واجتماعية وسياسية: إذ لا يمكن حل مشكلة العنف ضد المرأة، والمرأة فى حالة احتياج للإعالة، فمجرد احتياجها لشخص ينفق عليها يمثل عنفا ضدها، والمرأة المستقلة اقتصاديا امرأة لديها كرامة أوفر وحماية وتمتلك قدرة على المناقشة.

كما أن هذه المنظومة المتكاملة لن تأتى ولن نصل لحل لمشكلة العنف والإصلاح الحقيقى إلا عندما تكون لدينا مناهج دراسية تقدم مفاهيم الديمقراطية والمساواة، وأن يتوافق الإعلام مع هذه المنظومة المتكاملة وأن يقدم مادة إعلامية مختلفة تنظر لمفاهيم الديمقراطية والمساواة والعدل.

سلطة مستبدة

وفى ختام الحلقة النقاشية وعد النائب حمدين صباحى بتقديم المشروع إلى مجلس الشعب بعد الاستقرار على صياغته النهائية، كإضافة تشريعية نحتاج إليها ورغم عدم ثقة الصباحى فى صدور القانون وإقراره وتأكيده أن مروره لن يكون بالأمر السهل فإنه رحب به كإضافة تشريعية، ولما يحمله من معنى يؤكد أن المجتمع بوعيه لدرجة تجريم العنف فى صياغة تشريعية.

وعن انتشار العنف ضد المرأة قال حمدين الصباحى: المأساة هى ارتباط العنف الأسرى بالفقر، وأن العنف ضد المرأة أصبح أحد أشكال تفريغ قهر المواطن المصرى من سلطة مستبدة وفاسدة ومن غلاء الأسعار، وفقدان الأمل على كل المستويات.

ويحذر الصباحى من الفلسفة العقابية فى هذا المشروع ورؤية مدى ملاءمة العقوبة لتحقيق الغاية المستهدفة من التشريع، كما حذر من التشريع ضد الجرائم دون علاج أسباب الجرائم المشرع ضدها.