ثقافية 0 2202

نص تسجيلي....صانع الأسرة الاعمى

img
بقلم:علاوي كاظم كشيش ساحة في الذاكرة تتفتح عن أطفال يلعبون في ساحة الامام علي...كانت تسمى ساحة البلوش مظلة المرور دائرية...مصابيح الفلورسنت في سقفها تنزف ضوء ذائبا كالحليب اقف في الساحة الآن...مثلما اقف في ساعة تدور الساعة الثانية عشرة تؤدي الى المخيم ويتقاطع مع شارع القبلة قريب من الساحة قرب فرن الكعك دكان حمزة الزغير وهو يكوي ملابس زبائنه بمكواة تسخن بالفحم وعلى الرصيف عجوز تبيع البرتقال مفردا بجوار محل ابي باسم مصلح التلفزيونات في الجهة المقابلة كراج بغداد لسيارات التورن الصغيرة...وبجواره مكتبة عوينات تنسحب ذاكرتي الى مركز الساعة الساحة عند الساعة التاسعة هناك سيارات النجف بمقاعدها الخشبية...وهدير محركاتها عند الساعة الثامنة في باب النجف محلات لبيع الفشافيش والتكة..بمقاعدها الخشبية المربعة الصغيرة..واحشاء الغنم معلقة تبرز منها الرئات والاكباد اللذيذة..حيث تشوى بالاسياخ على منقلة مفروشة بفواكه الجمر المحمرة..وتتوهج في هواء مروحة ريشاتها مكشوفة تدور سريعا. بعدها حمام البغدادي،يخرج عامل الحمام بوزرته المخططة التي..تحيط بخصره وتغطي جسمه الى الأسفل..جسمه ابيض مثل البصلة اعبر الشارع الذي يذهب الى باب طويريج أصل الى الساعة الخامسة،حيث محل ابو هادي العطار..وقد علق كلات القند على شكل مخاريط مغلفة بورق لونه بنفسجي وعند مدخل شارع الامام علي حيث مصلح التفلزيونات صاحب سعيد يجاوره محل رجل في الستين من العمر..افترش الأرض،وفي يده مطرقة خشبية ومثقاب حديدي كالقلم..يثقب به جرّيد النخل بمسافات متساوية..تراقبه عيون الناس بالتذاذ واعجاب ودهشة..وهم يأكلون من عربة هندي كبير العمامة يبيع لهم قطع اللدّو البيضاء اللذيذة،التي تشبه قطع الشوكولاته وذات طعم لذيذ حلو..ويغمسون أقراص الشامي كباب في طاسة الفلفل السائل الحار يراقبون الأعمى الذي يثقب جرّيد النخل..ليصنع أسرة ينام عليها الناس في ليالي الصيف على السطوح..كان المثقاب المجوف يخرج من رأسه شظايا منتظمة حين ينزل رأسه في جسد الجرّيدة مع كل طرقة..شظايا صغيرة اسطوانية رطبة كنا نقترب من الرجل الأعمى صانع الأسرة ونجمع هذه الشظايا من تحت يديه،ونشمّ فيها قلب الجرّيدة الرطب الغامض اللذيذ كنا نعجب،كيف يجيد هذا الرجل لوحده تجميع السرير وضبطه ووضعه فوق الأسرة التي صنعها امام محله...وحده يجمع الجرّيد ويصفّه ويثقبه بمسافات متساوية كربلاء....ترتب روحك وتجعل فيها نوافذ للجمال ترى منها الكون ينبض بالنظام والحب والوجد حيث الصبر والدقة والبساطة واتقان الفن تنتظم اعواد الجريد في سرير يصنعه فنان أعمى لينام الناس هانئين مطمئنين بسلام في ليل كربلاء الذي كان ينثر كحله الصافي على ساحة الامام علي،ساحة البلوش حيث مظلة المرور الدائرية التي غادرها شرطي المرور مع عباءة الظلام وظهور اطفال يلعبون..بما يجدونه من شظايا جرّيد النخل..امام محل صانع الأسرة الأعمى..حيث ينبض الكون بجمال كربلائي بهيج