لقاءات 0 5280

تعرف على احد رموز مراسيم عاشوراء :الشيخ عبد الزهرة الكعبي الكربلائي علمٌ في سماء كربلاء

img
علمٌ من أعلام المنبر الحسيني وخطيبٌ لُقّب بـ(شيخ الخطباء الحسينيّين) خلدت ذكراه على مرّ السنين، ألا وهو الشيخ عبد الزهرة الكعبي الكربلائي الذي سطع نجمه واشتهر بقراءة المقتل الحسيني يوم عاشوراء. ولد الشيخ عبد الزهرة الكعبي في يوم ولادة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام) من عام 1327هـ لذا سُمّي عبد الزهراء، وقد نشأ في قريةٍ كانت مستريحة بجوار ربوةٍ من روابي مدينة كربلاء المقدسة. وقد عاش الشيخ (رحمه الله) بين الجوع والريح والمطر فتذوّق مرارة الحرمان ومرارة السجون ومرارة الغربة، وكل ذلك من أجل الحق ومن أجل العدالة الاجتماعية ومن أجل أن يكون للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، كان في سنّ الخامسة عندما أدخله أبوه في الكتّاب (وهي عبارة عن مدرسة صغيرة تجمع عدداً من الأطفال لتُلقى عليهم دروسُ الدين والأخلاق والعقيدة وتُغرس في نفوسهم الصغيرة المبادئ الكبيرة لينشأوا أقوياء أشداء في عقيدتهم وأخلاقهم ونظرتهم للحياة). نشأ شيخنا الكعبي في ذلك الوسط الكربلائي المشحون بالعلماء والخطباء وخدمة الحسين(عليه السلام) وترعرع وتدرّج في سلّم التكامل والأدب حتى برع في الفصاحة والبلاغة والقدرة على البيان منذ نعومة أظفاره، فكان يحفظ القرآن الكريم بأكمله، فضلاً عن عشرات الألوف من القصائد والأشعار والأمثال العربية مع دراية عميقة للأحاديث النبوية الشريفة ولفكر أهل البيت(عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام). خُلقه وأخلاقه: كان -رحمه الله- رَبعةً، أسمر اللون، نحيف الجسم، سريع الخطو، كثير التوقّف في الطريق حيث لا يحبّ أن يمرّ مرور الكرام أمام المعارف والأصدقاء دون أن يسأل أو يُسأل، وهبه الله سبحانه صوتاً صيِّتاً، ذا نغم متميز عن أصوات معاصريه كافةً، فهو الصوت الذي لا تظهر عليه مظاهر التعب مهما طال هذا المجلس أو ذاك، بل كان آخر الأصوات تعباً في الأيام العشرة الأولى من محرم حيث صارت مجالسه تُعدّ بالمئات، تبدأ منذ الصباح الباكر، وتُختَتمُ في وقتٍ متأخرٍ من الليل، أما أخلاقه، فقد تمتّع بخلق رفيع تحسّه متجسداً في تواضع ملحوظ، مع الصغير والكبير. الكعبي والخطابة الحسينية: إنّ رسالة المنبر في فكر الشيخ الكعبي تتلخّص في هدف الإصلاح، فتبدأ من إصلاح النفس -نفس الخطيب- لتتوسّع بعد ذلك وتشمل المجتمع بأكمله، فإن كان الخطيب هادفاً من وراء منبره مصالح آنية شخصية فإنّ التوفيق يغلق بابه دونه ويرجع بنفسه القهقرى فلن تغني خطابته عنه شيئاً، كان -رحمه الله- يوصي طلابه وتلامذته بقوله: (إنّ الخطيب لا يؤثّر في الناس بكلامه فقط، وإنّما يؤثر فيهم بألفاظه ونظراته ولسانه، فإذا كان غاضّاً بصره عن محارم الله، وأوقف سمعه على العلم النافع له، فإنّه يهزّ القلوب بقوة التأثير التي تتدفّق من بيانه وسجاياه وأخلاقه)، كما كان يوصيهم أيضاً بعدم قصد المال من وراء المنبر، يقول أحد طلبته: علّمني الشيخ الكعبي ألّا أطلب المال وأفتّش عن الثراء وراء المنبر، وكان دائماً يردّد على سمعي هذه العبارة فيقول: اقرأ يا بني إذا شئت قول الله عزّوجلّ: (اتَّبِعُوا مَن لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مَّهْتَدُونَ)يس:21، ثم يضيف قائلاً: إنّ طبيعة الناس وفطرتهم قد جبلتا على المشي وراء من لا يطلب منهم مالاً ولا حطاماً.. إنّ الخطيب صاحب رسالة ورسالته مقدسة، فلا تصعد المنبر بقصد جمع المال وإنّما اصعده بنية التقرّب إلى الله سبحانه. لذا نجد أنّ شيخنا الجليل الكعبي خطيبٌ مفوّهٌ ومتكلّمٌ لامع ينفعل بما يقول كأنّه يُخرج كلامه ممزوجاً بعصارة قلبه ولهذا كان لقوله تأثيرٌ كبير في النفوس، لأنّ ما يخرج من القلب يقع في القلب، وكان في مجالسه يجهد نفسه على ذكر الأخبار الصحيحة والتأريخ المعتبر ويتجنّب ذكر الأخبار التي لم يتثبّت من صحتها وكان يتنقّل من مجلس إلى آخر دون أن يكرّر ما قاله، يتصرّف بالكلام ويحلّل الأخبار ويستخلص النتائج، وقد ساعد الكعبي على تكوين شخصيته المنبرية الفريدة صوتُهُ الرخيم وحفظُهُ الكثير وسرعةُ بديهته وانتقاله من موضوع إلى آخر يربط بينها بذكاء خارق ويعود إلى أصل موضوعه بعد أن يشدّ المستمعين إليه بأسلوب نادر، يكثر من ذكر الأمثلة لتوضيح أفكاره ويتبسّط بتذليل المعلومات المعقدة متّبعاً في ذلك الأسلوب القرآني في ضرب الأمثال وتقريب المعاني إلى الأذهان. خاتمة حياته: ليلة الخامس عشر من شهر جمادى الأولى 1394هـ كانت ليلة أليمة في كربلاء المقدسة، فقد توفّي فيها سماحة العلامة والخطيب الشهير والأديب الشاعر الشيخ عبد الزهراء بن فلاح الكعبي، تغمّده الله برحمته الواسعة وأسكنه الفسيح من جناته وحشره مع النبيّ المختار والأئمة الأطهار(عليهم الصلاة السلام). وكان اليوم الخامس عشر من شهر جمادى الأولى 1394هـ يوماً مشهوداً في مدينة كربلاء المقدسة، فقد زحفت الجماهير من كلّ حدبٍ وصوبٍ للاشتراك في تشييع جثمان الفقيد الراحل عبر الخط الطويل من بيته في (حي الحسين) إلى مرقده في (الوادي) مروراً بـ(المغتسل) في محلّة (المخيم)، وبالروضتين المطهرتين الحسينية والعباسية، وقال شهود عيان: إنّ مراسيم تشييعه كانت مشابهة لمراسم تشييع المراجع الكبار، من وضع جثمانه في العماري وانطلاق المسيرات العزائية الحزينة في مقدمة الجنازة. وبما أنّ الفقيد الراحل كان أحد أكبر الخطباء البارزين في العراق ودول الخليج العربي، وأنّ زوّار الإمام الحسين(عليه السلام) من الأقطار الإسلامية كافة كانوا قد استمعوا إلى محاضراته المنبرية في مدينة كربلاء المقدسة وخصوصاً عند تلاوة القسم الأول من (مقتل الإمام الحسين"عليه السلام") يوم العاشر من شهر محرم الحرام من كلّ عام، وكانت أكثر من إذاعة تبثّ يوم العاشر من محرم الحرام تسجيلاً بصوته للقسم الأول من (المقتل)، كما أنّ أكثر من إذاعة كانت تبث يوم العشرين من شهر صفر تسجيلاً بصوته للقسم الثاني من (المقتل)، فقد ضجَّ لوفاته كثير من البلاد الإسلامية، وكتبت عنه الصحف والمجلات وأُقيمت على روحه الطاهرة مجالس الفاتحة في العديد من المدن والبلدان، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: (كربلاء المقدسة، بغداد، السماوة، البصرة، الكويت، بيروت، طهران وقم المقدسة). فسلامٌ عليه من مجاهدٍ وداعية إلى الإسلام والإصلاح وإلى مذهب أهل البيت، وتغمّده الله برحمته الواسعة في جناتٍ تجري من تحتها الأنهار.