تحقيقات 0 3606

وكالة نون تروي معاناة اطفال المطلقين في كربلاء .

عادة ما يعاني الأبناء الذين انفصل والداهما بالطلاق في حياتهم، ويكونون أقل سعادة في البيت وأكثر تشتتا في المجتمع عن غيرهم من الأسر المترابطة وغالبا ماتكون حضانة الاطفال من حصة الام حسب قانون الاحوال الشخصية وتبدأ رحلة الحرمان من الحنان الابوي والدفء الاسري وتتراكم الاثار النفسية التي تؤثر بالنهاية على بناء شخصية الطفل ومستقبله. في مركز الارشاد الاسري التابع للعتبة الحسينية المقدسة التقينا بعدد من هذه العوائل المتفككة والتي تحمل اطفالها في مواعيد محددة الى المركز باعتباره انسب مكان للقاء الطفل بابويه , عبارة عن لقاء متوتر في ممر ضيق يتمزق فيه الاطفال بين ابويه (ابو مصطفى) جاء لمشاهدة ولديه مصطفى وحسن يقول وهو منزعج وعصبي:" لا ادري كيف استمتع بمشاهدة اولادي والتحدث معهم وأنا في هذا الممر وأمام انظار المارة والزوار والموظفين وبتحريض من الام لايسمح لي باصطحاب اطفالي الى عطار قريب لاشتري لهم بعض اللعب ولنتمشى قليلا، حتى اني عرضت عليهم ان يبقى جدهم وجدتهم كرهينة لحين عودتي لان اطفالي متوترين وبدأوا بالبكاء والصراخ لفراق والدتهم التي تركتهم بباب المركز وذهبت وستعود لاستلامهم بعد ساعتين ". وحتى هذه المشاهدة المشحونة والمؤلمة لا تتكرر الا بعد اسبوعين وحسب قرار قاضي الاحوال الشخصية. جدة الاولاد من مواليد (70) والجد من مواليد (60) والاب مواليد (89) والام (96) والاطفال في عمر سنتين وسنة واحدة، زهور قبل ان تتفتح فقدت حنان وطعم الدفئ الاسري , والسبب هو زواج سريع وطلاق اسرع. العائلة الثانية اكثر مرونة من الاولى جاءت الام وتركت ولدها ذا الاربعة اعوام (علي) وبلغت المركز بعدم ممانعتها من مرافقة والده خارج المركز. وتشرح (ام علي):" انها متاكدة ان والده سوف لن يهرب به الى بيته لان زوجته الثانية التي تزوجها قبل ان يطلقني لاتستقبل الطفل في البيت ؛ وعلى الاغلب ياتي الى هنا دون علم الزوجة الثانية ولا يوجد لدينا مكان آمن ومحترم اكثر من هذا المكان لنلتقي.. وناتي الى هنا بدون قرار المحكمة بل حسب اتفاق بيننا وعلى اتصال الجوال ولا امانع لو قال كل اسبوع او حتى كل يوم، ولكن هذي حقيقة ما يسمح به وقت طليقي او زوجته!! ". وتضيف (ام علي):" يعتصر قلبي الالم عندما يطلب مني طفلي ان اسمح له بالمبيت مع والده , وأنا ارفض كذبا حتى لاينصدم ابني بحقيقة والده الذي يتهرب من مسؤوليته خوفا من ان تتركه الزوجة الثانية ". محطة اخرى كانت عند عبودي (5) سنوات وهنادي (3) سنوات (من قضاء الهندية) طفلان ذكيان جدا وأنيقان وفهما طبيعة عملي , فتحدثا معي:" ابونا (خوش ابو) حلو ورائحته طيبة سيأتي اليوم ونذهب معه لزيارة الامام الحسين واخيه العباس (عليهما السلام) وسيشتري لنا الملابس والحلويات". يقترب الكبير من اذني ويهمس:" عندما نكبر سنذهب معه الى بيت جدتي ". جدة الطفلين لابيهم تقول:" والد الطفلين شرطي على الحدود العراقية وهذان الطفلان المسكينان تعودا على فراق والديهم وغالبا ما كانت أمهما تتركهما وهم اطفال رضع وتهرب الى اهلها حين تتشاجر مع ابني وكنت انا اهتم بهما وبعد قرار المحكمة في الانفصال لم تستطع الام تركهما للحصول على نفقتهما ؛ لكن انا علاقتي جيدة مع الام لهذا هي لا تمانع زيارة الطفلين لي بين الفترة والأخرى وخصوصا عندما يكون والدهما مجازاً فهما متعلقان ببعضهما كثيرا وقد حاولنا ان نصلح ذات البين ولكن للأسف فشلنا , فقد كره الابوان بعضهما كثيرا وكان قرار الطلاق مع صعوبته أهون من الازمات النفسية المتكررة التي كان يعاني منها الاولاد اثناء المشاجرات القوية التي تصل الى الضرب والعنف لتؤثر على نفسية الاطفال وتغذيتهم ونموهم وتعليمهم ". في محطة اخرى تقص (ام رحمة) حكاية جديدة , فتقول:" الخيانة الزوجية تهمة سهلة يلقيها الزوج على زوجته دون تفكير وهذا مافعله طليقي حين كانت رحمة في الثانية من عمرها وكنا نأتي الى موعد المشاهدة في المحكمة ولكني رأيت ان هذه اللقاءات تضر بالطفلة ولا تنفعها لان طليقي مصمم على اتهامي بالتقصير والخيانة وهو مصمم على تقريعي ولومي والانتقاص مني امامها ولهذا السبب اصبحت اتهرب من هذه المشاهدة وابتعد عنها بمختلف السبل حتى تكبر ابنتي وتستطيع ان تقدر الامور بنفسها وقد احطت المحكمة والباحثة الاجتماعية علما بسلوكه المنحرف علما انه تزوج امرأة اخرى ورزق بطفل آخر وأنا الخائنة بنظره لازلت مصممة على تكريس حياتي لتربية ابنتي". تحليل نفسي بعد هذه الحكايات المؤلمة والتي تحمل مشاهد مقتطعة من مشهد كبير يحمل في لقطاته العديد من العوائل المفككة حملنا هذه الصور وتوجهنا الى الباحث والمختص بعلم النفس الدكتور عبد عون المسعودي الذي بين:" يحظى الأطفال بالرعاية والحماية والحنان من الوالدين، ويعمل الحب الناجم عن هذه العوامل دوراً مهماً في تأسيس البناء المتوازن لشخصية الطفل، ووجود الوالدين المتحابين المتفاهمين أمر ضروري لتحقيق هذا الهدف، لكن لا يكاد يخلو بيت من مشكلات تعكر صفو المتحابين، وقد تكون هذه المشكلات من الخطورة بحيث تزعزع كيان الطفل النفسي ". ويتابع المسعودي:" يعتبر الطلاق من المشكلات الاجتماعية النفسية التي يترتب عليها آثار سلبية عديدة قد تؤدي إلى تدمير شخصية الطفل أو تعقيدها، وهو يعد من أبرز الأخطار التي تهدد هذه النفس الغضة، التي لا تقوى على الحياة الآمنة المستقرة دون الخدمات التي تتلقاها من أمها وأبيها، واخطر الاثار النفسية هي شعور الاطفال بالعداء نحو الوالدين ويمكن أن يقوم الاطفال بالتحدث مع أصدقائهم وأقاربهم للتعبير عن حالة الغضب والعداء الذى يشعرون به نحو والديهم. وهذا الشعور قد يؤثر على أدائهم المدرسى كما أن الشعور الداخلى للأطفال بالغضب والعداء نحو والديهم قد يتحول بعد ذلك إلى حالة من الإكتئاب والإحباط , ومن هذا المنطلق فإن الوالدين المتفهمين يحرصان على استمرار العلاقة السوية بينهما حتى بعد الطلاق، وعلى عدم مناقشة الخلافات الحادة بينهما على مرأى ومسمع من أبنائهما، كما أن الأبناء بدورهم يتألمون جداً إذا شعروا بوجود خلافات بين الام والأب". الموقف القانوني ومن وجهة قانونية شرحت الحقوقية فاطمة هاشم الموسوي بعض الملابسات التي تشوب قانون الاحوال الشخصية , فتقول:" ان قانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة (83) حدد ضوابط صارمة لعملية مشاهدة الاب لأطفاله وفي حال اتفاق الطرفين يمكن ان يكون مكان المشاهدة في بيت الزوج او بيت الزوجة او أي مكان وسيط يمكن الاتفاق عليه بين الطرفين ". وتضيف الموسوي:" القانون حدد فترة المشاهدة بساعتين كل (15) يوما او حسب اتفاق الطرفين ويكون الاتفاق مسجل في المحكمة وأمام شهود , وفي حالة عدم اتفاق الطرفين على اماكن المشاهدة اعلاه تحدد المحكمة المكان الملائم لديها وهو غير ملائم في كل الاحوال , اذ إما ان يكون غرفة في محكمة التنفيذ او بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني ومنها جمعية الامل العراقية. وهذه الايام تم التنسيق والاتفاق مع مركز الارشاد الاسري التابع للعتبة الحسينية المقدسة. وكل هذه الاماكن هي غير صحية نفسيا للطفل وأحيانا تحصل مشاجرات ومقابلات عنيفة بين اهل الام واهل الاب ما يجعل الطفل يكره هذا اللقاء ولا يتمناه , ويفترض ان تخصص وزارة العدل او وزارة المرأة مكانا مخصصا للمشاهدة تتوفر فيه جميع الشروط الصحية والإنسانية وبإشراف باحثين اجتماعيين ومختصين نفسيين لتحديد مدى صلاحية الشخص الحاضن، ولكن كل هذا لن يحصل وتصبح عملية المشاهدة فاقدة للهدف الذي وجدت من اجله بل بالعكس تضيف للطفل ازمات نفسية اخرى اذا تمت بشكل عشوائي. وتلفت الموسوي الى:" ان شروط المشاهدة لا تسمح للأب باصطحاب طفله الى متنزه او سوق او مكان للتسلية والترفيه بعيدا عن المكان الذي تقرره المحكمة حتى ان وجدت الضمانات اللازمة إلا اذا حصل ذلك الامر باتفاق الطرفين امام القاضي. وأيضا لايسمح للأب بحضانة الطفل حتى لو تزوجت الام إلا اذا اعتذر الزوج الثاني عن رعاية الطفل وهذا لايحصل إلا نادراً". الناحية الشرعية المحطة الاخيرة كانت عند رجل الدين الشيخ احمد الصافي والذي بين:" من الناحية الشرعية حضانة الاطفال مشتركة بين الابوين ولا تقتصر على الام فقط ويسمح الشرع للزوجة المطلقة بالعيش في منزل طليقها بدون حصول الخلوة الشرعية او توفير سكن للطليقة قريب من الاب ليتشارك الابوان رعاية الاطفال ويجب ان يتقاسم الطرفان ايام مبيت الاطفال عندهم , وعدا هذه الطريقة فان اطفال المطلقين سيصيبهم ضرر نفسي بالغ يعانون منه في جميع مراحل حياتهم ". وبعد هذه الرحلة بين ظروف العوائل المفككة وما حملته من صور مشوبة ببراءة الاطفال يبقى على المعنيين ايجاد حل لما يعانيه ابناء المطلقين من عوارض نفسية قد تنشئ جيلاً من غير الاسوياء تجبرهم الظروف على ان يكونوا غير متوافقين مع المجتمع ومنعزلين , وقد يغرر بهم ليكونوا في محطات الشبهات لا نتمناها لهم. تحقيق/انتصار السعداوي /كربلاء